حسن بن موسى القادري
195
شرح حكم الشيخ الأكبر
وقول اللّه تبارك وتعالى : ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ هود : 56 ] . وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو اللّه « 1 » » . وقوله تعالى : « عبدي مرضت فلم تعدني ، وسألت فلم تعطني ، وجعت فلم تطعمني « 2 » » ، وغير ذلك فصدق قول الصادق الصدوق : « أصدق كلمة قالها الشاعر لبيد : ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل « 3 » » ، واللّه أعلم . فإذا عرفت هذا فاعلم أنه وإن كان الكل من اللّه وباللّه ، ولا أثر لشيء سوى اللّه لكن الغالب بالأسباب ، وعندها ومن جملتها مصاحبة الرجال لا كل الرجال . 38 - لا تصحب من الرجال إلا من كان حاله يترجم دون المقال . كما قال الشّيخ قدّس سرّه : ( لا تصحب من الرجال إلا من كان حاله يترجم دون المقال ) أيّ : لا تصحب أيّها السالك الطالب للكمال إلا الرجال ؛ لأن جليس الصالح صالح ، وجليس الطالح طالح ؛ لأن المجاورة لها أثر شديد في الحيوان والنبات والجماد ، فالماء والهواء يفسدان بمقارنة الجيفة ، والجمل الشرود يصير ذلولا بمقارنته الجمل الذّلول ، والزرع والنبات يفسد كل منهما بمقارنة الأرض المفسدة ، فإذا كانت المجاورة والمقارنة مؤثرة في هذه الأشياء المذكورة ، ففي النفوس الإنسانية أشدّ تأثيرا ، فإذا قررنا هذا ، فالنظر إلى أهل الصلاح يؤثر صلاحا ، وإلى أهل الفساد يؤثر فسادا ، كما أن دوام النظر إلى المحزون
--> - فليس نمّ سوى فرد بعينه * عين الكثير فلا تلوي على أحد وعندي أن هؤلاء القائلين بالاتحاد كلهم لم يصحّ لهم اتحاد قطّ إلا بالوهم ، وانظر كلامهم تجده من أوله إلى آخره لا يبرح من الثنوية ؛ فإنه لا بدّ من مخاطب ومخاطب ، وتأمّل قول التستري : ( إيّاك لا تنظر اثنين ) فنفس قوله : ( إيّاك ) يقتضي الثنوية ، ويحكم عليه بها ، ولذلك ذهبنا إلى خلافهم ، وغاية أحدهم أن يقول أحدهم : ( أنا هو ) ، فمدلول ( أنا ) خلاف ( هو ) ؛ فتأمّل . ( 1 ) رواه البخاري ( 5 / 2286 ) ، ومسلم ( 4 / 1763 ) . ( 2 ) رواه مسلم ( 4 / 1990 ) . ( 3 ) تقدّم تخريجه .