حسن بن موسى القادري
192
شرح حكم الشيخ الأكبر
--> - لكن منهم من قال به عن أمر إلهيّ ، ومنهم من قال به بما أعطاه الوقت والحال ، ومنهم من قال به ولا يعلم أنه قال به ، فهم مختلفون في الأحوال ، وقد أحال الاتحاد أصحاب النظر العقلي ؛ لأن عندهم تصير الذاتين ذاتا واحدة ، وذلك محال في العقل . وأما أصحاب الكشف فإنما قالوا به ؛ لأنهم يرون ذاتا واحدة لا ذاتين ، ويجعلون الاختلاف في النسب والوجوه ، والعين واحدة في الوجود ، والنسب عدميّة ، وفيها ( يعني النسب ) وقع الاختلاف ، فإن الذات الواحدة تقبل الضدين من نسبتين مختلفتين ، كما قال تعالى : فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [ التوبة : 6 ] . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إنّه القائل على لسان عبده : سمع اللّه لمن حمده » . وقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في الحديث القدسيّ : « فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله » وغير ذلك قولا شافيا ؛ لأنه ذكر أحكامها ، فقال : « سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها » . ومعلوم أنه بسمعه يسمع ، أو بذاته يسمع ، وعلى كل حال فقد جعل الحق هويته عين سمع عبده وبصره ، ويده ، ورجله ، فإما يريد ذات العبد ، وإما صفته ، وإما نسبته ، فهذا هو قول الحق الذي لا يمترى فيه أصحاب العقول ، فمن اتحاد الملك قوله مع علمه بذلك قوله : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [ البقرة : 30 ] ، فأضاف فعل التسبيح لنفسه ، والرسول كذلك يقول : ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ [ المائدة : 117 ] ، ومن الناس من يقول : يَقُولُونَ أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ [ النازعات : 10 ] ، فأضافوا القول لأنفسهم ، والسماوات والأرض والجبال تأبى ، وتشفق من حمل الأمانة ، وتقول : أَتَيْنا طائِعِينَ [ فصلت : 11 ] ، وتضيف الإتيان لنفسها ، فما في العالم إلا من نسب الفعل إلى نفسه دون اللّه مع علم العلماء باللّه أن الفعل للّه لا لغيره ، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ [ الصافات : 96 ] ، وغر الناس كون الحق تعالى أضاف العمل والقول لهم ، وفاتهم أن الإضافة سائغة من نسبتين مختلفتين ، فاللّه تعالى خالق العمل وموجده والعبد مظهره ؛ إذ كان العمل لا يظهر إلا في جسم ، فمن إضافته تعالى الأمر حكاية قول الهدهد لسليمان عليه السلام : أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ [ النمل : 22 ] ، يعني من العلم . وقالت نملة : يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [ النمل : 18 ] . وقال تعالى : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ [ النور : 24 ] . وقال عن الجلود : قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [ فصلت : 21 ] ، وقال : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [ الإسراء : 44 ] ، فما ترك شيئا من المخلوقات إلا وأضاف الفعل إليه ، وهذا المقام لا يتمكّن لمن دخله أن يرأس عليه أحد من جنسه ، ولا أحد من المخلوقين ؛ فإن الأمر واحد في نفسه ، والواحد لا يرأس على نفسه ، وهو مقام عزيز ، العالم كله واقع فيه ، ولا يعلمه إلا أهل الشهود ، ولكن -