حسن بن موسى القادري

176

شرح حكم الشيخ الأكبر

والمراد ( باللطائف ) الحقائق أي : لا يدرك حقائق الأرواح ، ويحتمل أن تكون الإضافة بيانية أي : لطائف هي الأرواح المودعة في ذوات الموجودات ، فاختص كل موجود بلطيفة وهي السر الذي بين الحق والعبد لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل ؛ لأنه من أمر اللّه ، وأمر اللّه مجهول ، وقد قال اللّه تعالى أمرا إلى رسوله : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] ، وعلى التقدير لا يرى ولا يشهد ذوقا ووجدانا لطائف الأرواح أحد من أهل العقول إلا الرجل الذي تصفّى أي : صار صافيا من كدورات الأشباح الكثيفة ؛ لأنه لا يرى النور إلا بالنور ، ولا اللطيف إلا باللطيف ؛ إذ الكثيف ظلمة والظلمة عدم والعدم غير مدرك ، ومع هذا لا يرى النور المحض ما لم يمتزج بظلمة ما ، كما أن الظلمة لا تدرك إلا بالنور فافهم . فعلى ما ذكرنا الإضافة في ( كثائف الأشباح ) من إضافة الصفة إلى الموصوف ، والمضاف مقدر وهو مجرور ( من ) في الحقيقة كما عرفت ، ويجوز أن تكون الإضافة للاختصاص لكون الكثائف من لوازم الأشباح ، كما أن اللطائف من لوازم الأرواح ، وحقا المراد بها الصفات الذميمة المقتضيات للبشرية والمال واحد والاختلاف في العبارة ، وعلى هذا يجوز أن يراد باللطائف في الاحتمال الثاني من الاحتمالات الثلاث في الإضافة ما أودعه اللّه في الأرواح من الخصائص الحكمية والأسرار الربانية دون الحقائق كما قررنا ؛ لأن كل شيء مملوء من اللطائف والخصائص بحيث لا يبقى فيه موضوع يسع ما في الغير ، ولهذا قال الشيخ الأكبر في فصوص الحكم : « ما في أحد من اللّه شيء ، ولا في أحد من سوى نفسه شيء » أي : اللّه تعالى يظهر ما كان مستورا وموجودا فيه بالقوة ، وما يظهر فيه إلا ما كان مستورا فيه ، ولا يعرف هذا على ما قاله الشيخ قدّس سرّه في « الفصوص » : المذكور إلا من كان عين صفاء خلاصة خاصة الخاصة من عموم أهل اللّه ، فعموم أهل اللّه المؤمنون الموحدون ، وخاصتهم السالكون السائرون ، وخاصة تلك الخاصة الذين بقرب النوافل متحقّقون ، وخلاصتهم الذين بقرب الفرائض واصلون ، وصفاء الخلاصة وصفوتهم صاحب مقام قاب قوسين الجامع بين القربين ، وعين الصفا صاحب أو أدنى الذي له في المقامات الثلاثة دوران ، ولا يتقيد بواحد منها في زمن من الأزمان ، وهذا المقام مختص بنبينا صلى اللّه عليه وسلم وكمّل ورثته .