حسن بن موسى القادري

172

شرح حكم الشيخ الأكبر

والصفات ، فيفنى هو ويبقى الربّ ، فلا يرى لنفسه عملا ولا وجودا ولا إرادة ، فتخلص عبادته ، وإذا أخلصت عبادته يصير عبدا صرفا للّه تعالى . وقال بعضهم : المكاتب قنّ ما بقي عليه شيء من مال الكتابة ، وإذ أوفى خرج من رق سيده لرق هواه ، ودخل في رقّ نفسه فالرق للسيد أولى . وقال أيضا : المكاتب يسعى في طلب رزقه ، وهو في ثلاثة سيده ودينه ونفسه ، والعبد الصّرف الخالص لا يسعى في طلب رزقه ، بل هو يحمل إليه وهو في رقّ سيد واحد انتهى . وفي هذين الكلامين إشارة عظيمة لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ ق : 37 ] . وإنما كان الرزق يحمل إلى العبد الخالص ؛ لأنه لا يتحرك له ، بل هو ساكن دائما ، والمرزوق والرزق كل منهما في طلب الآخر ، فإذا سكن أحدهما يتحرك الآخر ، وإذا تحرك سكن الآخر . ومن شأن العبد الخالص السكون وعدم التحرك لانسداد أبواب داره سوى باب واحد ، والدار إذا كثرت منافذها كثر ضوئها ، وقلّ أمنها فافهم وتأمل . فعلى هذا عبد اللّه هو المنقطع عما سوى اللّه ، ومتوجها بالكلية إلى اللّه ، ولا ينبغي للعبد الميل إلى السوى ؛ لأنه ما خلق لهذا قال اللّه تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] . فانحصرت غاية الخلق والإيجاد في العبادة والمعرفة ، وإنه ما خلقه إلا لأجله ، وفي الحديث القدسي : « يا ابن آدم خلقتك لأجلي وخلقت الأشياء لأجلك « 1 » » . فلا شيء أعلى من الإنسان من هذه الحيثية ، فهو وإن كان بالنسبة إلى الوجود العنصري أضعف الأشياء لكن بالنسبة إلى وجوده الروحي أكملها .

--> ( 1 ) ذكره المناوي في فيض القدير ( 5 / 366 ) .