حسن بن موسى القادري

16

شرح حكم الشيخ الأكبر

والنقطة التي تحتها لكي لا تلتبس صورتها بصورة ظلّها فبها تمتاز عن الياء والثاء وغيرهما ، فهي مبدأ كلّ شيء ، والباء مبدأ أول فالأول للأول ، وجعلت في التحت إشارة إلى أن ظهور الكون من الباء في السفل ، وهو المرتبة الثانية من الوجود ، فالباء ثوب الحقيقة ، والكون غيبة فيها ، وهي غيب في الحقيقة فالكون ينسلخ منها ، وهي لا تنسلخ من الحقيقة ، وفي الباء معنى البقاء فتدل على أن الحقّ هو الباقي ، وأن بقاء الخلق به ، وبه قيام كل شيء . فحكى الشيخ الأكبر عن شيخه أبي مدين « 1 » رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال :

--> - فلا يوزن بالصورة الإنسانية إلا ما تطلبه الصورة الإنسانية بجميع ما تحتوي عليه بالأسماء الإلهية التي توجهت على إيجاده ، وأظهرت آثارها فيه . وكما لم تكن صبخة الحديد توازن الذهب في حدّ ولا في حقيقة ولا صورة ولا عين كذلك العبد وإن خلقه اللّه تعالى على صورته فلا يجتمع معه في حدّ ولا حقيقة ؛ إذ لا حدّ لذاته تعالى ، والإنسان محدود بحدّ ذاتيّ ، لا رسميّ ، ولا لفظيّ . فالإنسان أكمل المخلوقات وأجمعها من حيث نشأته ومرتبته . فإذا وقفت يا أخي على هذا الميزان زال عنك ما تتوهمه في الصورة من المشاركة للحق في الحقيقة ؛ فإن اللّه تعالى هو الخالق ، وأنت العبد المخلوق ، وكيف للصنعة أن تعلم صانعها ! إنما تطلب الصنعة من الصانع صورة علمه بها لا صورة ذاته ، وأنت صنعة خالقك ، فصورتك مطابقة لصورة علمه بك ، هكذا كل مخلوق ولو لم يكن الأمر كذلك وكان يجمعكما حدّ واحد وحقيقة واحدة كما يجمع زيدا وعمرا لكنت أنت إلها ، والأمر كذلك على خلاف ذلك . وانظر : الميزان الذرية ( ص 20 ) بتحقيقنا . ( 1 ) هو الغوث الأكبر ، المتصرف في تعيين الأقطاب ، وتنصيبهم ، بإذن من الحضرة المحمدية ، من أعيان مشايخ المغرب وصدور المقرّبين ، وشهرته تغني عن تعريفه . مات بتلمسان ودفن بها ، وقد ناهز الثمانين وقبره ثم ظاهر يزار ، وكان سبب دخوله تلمسان أنّ السّلطان لما أبلغه خبره أمر بإحضاره من بجاية ؛ ليتبرّك به ، فلما وصل إلى تلمسان قال : ما لنا وللسّلطان الليلة نزور الأخوان ، ثم نزل واستقبل القبلة وتشهّد ، وقال : ها قد جئت ، ها قد جئت ، وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى [ طه : 84 ] ، ثم قال : اللّه الحيّ وفاضت روحه . -