حسن بن موسى القادري
14
شرح حكم الشيخ الأكبر
مجهورا ، ولها مشاركة مع الميم ، وإن كانت من عالم المهموس ؛ لأنها ظهرت في العين عنها ، وفي الحقيقة عن غيبها فلأجل هذا كانت الميم من العالم المهموس وهو الخفي وإن كانت حرف جهر في اللسان ، والسين مهموس ، فالباء لها شركة معها أيضا ، فاجتمع الكلّ في كونهم حروف الاتّصال ، والوصلة واصلة الباء بالهاء على ما قاله الشيخ في الكتاب المذكور . قلبت الهاء همزة ؛ لأنها أخت الهاء ، والباء هو النكاح ، وكذا الباء ، والهاء في آخر الباء إشارة إلى أن الباء هو الهاء ، والهاء هو الباء ولا بد في كل نتيجة من أصلين ، وهما المقدمتين : تنكح أحدهما الأخرى فالوجود المحدث نتيجة ، فلما توجه الحق على الباء وهو الموجود الثاني امتدّ من الباء ظلّ الكون عند مقابلته كامتداد الظلّ من الجسم عند مقابلة الشمس ، قال اللّه تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ [ الفرقان : 45 ] . فالظّل يخرج على صورة الممتد منه ، كذلك الكون خرج على صورة الباء . فصح أنه خلق العالم أو الآدم على صورته « 1 » .
--> ( 1 ) قال سيدي الشعراني : وفي رواية صححها ابن النجار وأيّدها الكشف : « على صورة الرحمن » . فإنه لا يصحّ أن يكون المراد بذلك صورة الذات ؛ لأن الذات المقدّسة لا صورة لها إلا من حيث التجلي بالمثال ، كما يشهد لذلك خبر مسلم في التجلي يوم القيامة . وكما تجلى جبريل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في صورة دحية الكلبي . ومعلوم أن تمثّل جبريل في دحية ليس معناه أن ذات جبريل انقلبت صورة دحية ، وإنما ظهرت تلك الصورة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مثالا مؤدّيا عن جبريل ما أوحى به إليه . ونظير ذلك قوله : قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا [ مريم : 10 ] ، فإذا لم يستحيل ذلك في حق الملك وأن جبريل كان باق على حقيقته وصفته في حال ظهوره في صورة دحية فلا يستحيل ذلك في حق اللّه تعالى في يقظة ولا منام ؛ لاتفاق جميع المحققين أن المرئي مثال الذات لا عين الذات ، كما تقدّم وكما سيأتي . ومن فهم الفرق بين المثل والمثال لم يقف في مثل ذلك ، وقد أشار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأن اللّه تعالى مثالا يقع التجلي فيه حتى يعرف بقوله : « إنّ اللّه خلق آدم على صورته » . -