حسن بن موسى القادري

135

شرح حكم الشيخ الأكبر

( من قنع بخالص الحلال ، يرجى له الكمال ) أي : الذي يقنع بالحلال الخالص ، وهو الطيب الخالص عن تبعه العذاب يوم القيامة غير ممتزجة بنقمة الآخرة ، ومبعد للنفس والقلب عن الحق تعالى يرجى لذلك الرجل الموصوف بما ذكر الكمال الذي هو غاية المنال ، ومطلوب بكل حال وعلى كل حال ، واللّه تعالى تفضّل على الطائع بأكل الحلال ليقيمه بين يديه ليلا ونهارا وأكله يلين قلبه ونور ، فلا تحتجب عن دخول الحضرة ، كما ورد في الحديث ، وإن صلواته مقبولة ودعواته مجابة ، ولا يكون غافلا عن ذكر اللّه والتوبة في كلّ نفس وبه تزكوا الجوارح ويصفى القلب . وقال أبو محمد سهل التستري رحمه اللّه « 1 » :

--> ( 1 ) هو السيد الجليل والعارف باللّه تعالى أبو محمد سهل بن عبد اللّه بن يونس بن عيسى بن رفيع التستري رضي اللّه عنه ، أحد أئمة القوم ، ومن أكابر علمائهم المتكلمين في علوم الخواص ، ويقول فيه أعيانهم : ( سهل للسيادة أهل ) ، صحب خاله الجنيد ومحمد بن سوار ، ولقى ذا النون ، وأخذ الأكابر عنه طبقة بعد طبقة ، وطبق الأرض من علم الحقائق ، فحسده فقهاء بلده ، فقاموا عليه ، ونسبوه إلى قبائح بسبب قوله : ( التوبة فرض على العبد في كل نفس ) ، ولم يزالوا به حتى أخرجوه من بلده إلى البصرة ، فمات بها ، وحفظ القرآن وهو ابن سبع ، وكان يسأل عن مسائل الزهد والورع ومقامات الإرادة وفقه العبادة وهو ابن عشر ، ولم يبرز للناس حتى وقع له الإذن من اللّه ، وكان إذا جاع قوي ، وإذا شبع ضعف . قال عنه الشيخ الأكبر رضي اللّه عنه : ( وكان بدء سهل في هذا الطريق سجود القلب ، وكم من وليّ كبير الشأن طويل العمر مات وما حصل له سجود القلب ! ولا علم أن للقلب سجودا مع تحققه بالولاية ، ورسوخ قدمه فيها ، فإن سجوده إذا حصل لا يرفع أبدا من سجدته ، فهو ثابت على تلك القدم الواحدة ، التي تتفرع منها أقدام كثيرة ، وأكثر الأولياء يرون تقلّب القلب من حال إلى حال ، وصاحب هذا المقام وإن تقلبت أحواله فمن عين واحدة هو عليها ثابت ، يعبّر عنها بسجود القلب ، ولهذا لما رأى سهل في ابتداء دخوله الطريق أن قلبه سجد وانتظر أن يرفع فلم يرفع فبقى حائرا ، فما زال يسأل شيوخ الطريق عن واقعته فما وجد أحدا يعرفها ، فإنهم أهل صدق لا ينطقون إلا عن ذوق محقّق ، فقيل له : إن في عبدان شيخا معتبرا ، لو رحلت إليه ؟ ففعل ؛ فقال له : أيّها الشيخ ، أيسجد القلب ؟ فقال : إلى الأبد ، فوجد شفاءه عنده ؛ فلزم خدمته ، فاللّه تعالى يؤتي ما شاء من علمه من شاء من عباده : يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [ غافر : 15 ] . وكان مذهبه رضي اللّه عنه التحري في الحلال ، فلم يوجد في زمنه من يدقق فيه مثله ، وفي ذلك قال رضي اللّه عنه من باب التحدث بنعمة اللّه : أنا حجّة اللّه على الخلق ، وأنا حجّة اللّه على أولياء زماني . فبلغ ذلك أبا زكريا الساجي وأبا عبد اللّه الزبيري ؛ فذهبا إليه ، فقال له أبو عبد اللّه الزبيري ، وكان جسورا ؛ لأنه كان ضريرا : بلغنا عنك أنك تقول : أنا حجّة اللّه على الخلق ، وأنا حجّة اللّه على أولياء زماني ، فبماذا -