حسن بن موسى القادري
132
شرح حكم الشيخ الأكبر
عن مشاهدة الخلق ، فالخلق إنما هو خلق عند عدم ظهور الحق وتجليه في الأشياء ، وإذا تجلى على العبد ، ودخل قلبه فيراه في كل شيء ، ويكون الأشياء مرآة لرؤيته الحق تعالى ، فيكون الظهور للحق لا للخلق ، ويكون الظاهر الحق لا الخلق ؛ لأن المرآة إذا امتلأت من الصورة فإنما ترى الصورة دونه المرآة ، فعلى هذا إذا صار وجود الحق مرآة للخلق يكون الظاهر الخلق لا الحق ، وتحقيق هذا هو أن العبد بعد ما عرف اللّه تعالى بألوهيته بأن عرف أنه إله بسبب إنه مألوه أي : محل لتصرف الحق فيه ، وتوجه إليه تعالى بكليته تنفتح عين بصيرته بنور الكشف ، فيعطيه هذا الكشف أن العالم بجميع حقائقه الموجودة فيه تجلي الحق الوجودي بالفيض المقدس في صور أعيانهم الثابتة التي يستحيل وجودها بدونه ، هذا إذا شاهد الوجود الحق في أعيان الموجودات الخارجية ، وهي مظاهر للحق تعالى موجودة في أعيانها ظهر الحق بها وفيها بحبسها نحوا من الظهور ونوعا من التجلي ، وإن شاهد الوجود الحق في مجالي الأعيان الثابتة ومراتبها وهي غير موجودة في أعيانها ، بل هي على عدمها الأصلي ، ووجودها العلمي ظهر الوجود الحق بها مختلف الصور ، فهو حقا يرى أن العالم تجلي الحق في صور أعيانهم الثابتة التي يستحيل ظهور أحكامها ، وآثارها في الوجود الحق بدون التجلي الوجودي ؛ لأنه يستحيل وجودها في نفسها ؛ لأنها ما شمت رائحة الوجود في هذا الكشف ، وهذان النوعان من الكشف في مقام الجمع بعد الفرق الأول . وبعد هذا الكشف يأتي كشف آخر أصح وأرقى من الأول لتحققه بالحق والخلق ، وهو مقام الفرق بعد الجمع المسمّى بجمع الجمع ؛ لأنه يجمع الجمع مع الفرق ، فيظهر له بهذا الكشف صور الأعيان الثابتة وأمثلتها في مرآة الوجود الحق من غير انتقالها من العلم إلى العين إلا أنها أثرت في مرآة الوجود الحق من حيث قبولها وصلاحيتها لآثار تلك الأعيان صورا وأمثلة يظنها الجاهل بالأمر على ما هو عليه موجودات عينية وليست كذلك ، ولا يلزم من هذا الحلول ؛ لأن الوجود واحد لا يحل في نفسه ، والحلول إنما يكون بين الشيئين الموجودين بوجودين مختلفين ، فليس للأعيان وجود سوى وجود الحق تعالى حتى يلزم حلولها في الحق ، أو حلوله فيها فافهم ، واحذر من أن تنسب إلى القوم ما هم بريئون منه ، واللّه يقول الحق بلسان عبده فلا إنكار عليه إذا تكلم بمثل هذا المقال ، وهو يهدي السبيل الموصل إلى فهم الحقائق وقبولها لمن يشاء .