حسن بن موسى القادري
128
شرح حكم الشيخ الأكبر
--> - وعن باب مولاكم لا تبرحوا . وكان يقول : إذا أقامك اللّه تعالى في حالة فلا تختر أعلى منها ولا أدنى . وكان يقول : لا تختر جلب النعماء ولا دفع البلواء ؛ فإن النعمة واصلة إليك بالقسمة استجلبتها أو كرهتها ، والبلوى حالة بك ولو كرهتها ودفعتها ، فسلّم للّه في الكل يفعل ما يشاء ، فإن جاءتك النعمة فاشتغل بالذكر والشكر ، وإن جاءتك البلوى فاشتغل بالصبر والموافقة ، أو الرّضا والتنعّم بها ، أو العدم والفناء عنها ، على قدر ما تعطى من الحالات ، وتنقل عنها حتى تصل إلى الرفيق الأعلى ، وتقام في مقام من تقدّم ومضى من الصدّيقيين والشهداء ، فلا تجزع من البلوى ، ولا تقف بدعائك في وجهها ، وأقر بها فليس نارها أعظم من نار جهنم ، ففي الخبر أن جهنم تقول للمؤمن : « جز يا مؤمن ؛ فقد أطفأ نورك لهبي » ، وليس نور المؤمن الذي أطفأ لهب النّار إلا الذي صحبه ، وتميز به عمّن عصى ، فليطف بهذا النور لهب البلوى ، فإنّ البلية لم تأت العبد لتهلكه وإنما لتختبره . وكان يقول : لا تشكو لأحد ما نزل بك من الضّر كائنا من كان صديقا أو قريبا ، ولا تتهمن ربك قط فيما فعل فيك ، وأنزل بك من إرادته ، بل أظهر الشكر والخير ، ولا تسكن إلى أحد من الخلق ، ولا تستأنس به ، ولا تطلع أحدا على ما أنت فيه ، فإنه لا فاعل سوى ربك ، قال تعالى : وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ [ الرعد : 8 ] وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ [ الأنعام : 17 ] ، وإن يردك بخير فهو على كل شيء قدير ، فاحذر من أن تشكو اللّه تعالى وأنت معافي وعندك نعمة ما ؛ طلبا للزيادة وتعاينا لما له عندك من النعمة والعافية ازدراء بها ، فربما غضب عليك وأزالها عنك ، وحقق شكواك ، وضاعف بلواك ، وشدد عليك العقوبة ، ومقتك وأسقطك من عينه ، وأكثر ما ينزل بابن آدم من البلايا لشكواه من ربه عز وجلّ . وكان يقول : لا يصلح لمجالسة الملوك إلا المتطهّرين من رجس الزلّات والمخالفات ، ولا تقبل أبوابه تعالى إلّا طيّبا من الدعاوى والهوسات ، وأنت يا أخي غارق ليلا ونهارا في المعاصي والقاذورات ، ولذلك ورد حمي يوم كفّارة سنة ، فالأمراض والشدائد جعلها اللّه تعالى مطهّرة لك ؛ لتصلح لقربه ومجالسته لا غير . وقد ورد أيضا أشد بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ، ودوام البلاء خاص بأهل الولاية الكبرى ، وذلك ليكونوا أبدا في الحضرة ، ويمتنعوا من الميل إلى غير اللّه تعالى ، ثم كلما دام البلاء بالعبد قوي قلبه وضعف . وكان يقول : ارض بالدون ولا تنازع ربك في قضائه فيقصمك ، ولا تغفل عنه فيبتليك ، ولا تقل في دينه بهواك فيرديك ، ولا تسكن إلى نفسك فتبتلى بها ، وبمن هو أشد شرّا منها ، ولا تظلم أحدا ولو بسوء ظنّك به ، وحملك له على محامل السوء فإنه لا يجاوز ربك ظلم ظالم . وكان يقول : إذا وجدت في قلبك بغض شخص أو حبّه فاعرض أعماله على الكتاب والسّنة ، فإن كانت محبوبة فيهما فأحبه ، وإن كانت مكروهة فاكرهه ؛ لئلا تحبه بهواك وتبغضه بهواك ، قال اللّه تعالى : -