الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

8

شرح ديوان ابن الفارض

والموت والإدراك والفوت اللّهم إلا لقوم هذبوا نفوسهم وأذهبوا بؤسهم فاستوى عندهم القرب والبعاد والنوم والسهاد ومن كان سعيد بالذوق شهيد الشهد الشوق عاكفا على محاريب قبلة التوق ذاق كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه فإن فيه حالة تعرف ولا تعرّف . وقد قلت فيما ينتظم في هذا السلك : تيقن أني فيه أصبحت مغرما * ولكنه لم يدر ما سبب الحب تعشقت منه حالة لست قادرا * على وصفها إذ لم يذقها سوى قلبي وفي البيت الطباق بين الوصل والهجر وفيه لطف السجع في قوله أترى درى . وأبيت سهرانا أمثّل طيفه للّطرف كي ألقى خيال خياله قوله « وأبيت » معطوف على وأحن منسحب عليه حكم الاستفهام . يعني : أترى درى أني أحن لهجره وأترى درى أني أبيت سهرانا أمثل طيفه . قوله « أمثل طيفه » أي أشبه خياله الطائف لطرفي لعلي أجد « خيال خياله » لأن الممثل خيال وتمثيله يحصل خيال الخيال . والمراد من تمثيل خياله للطرف استحضار صورته المخزونة في الخيال . الإعراب : أبيت : معطوف على أحن والتاء اسمها . وسهرانا : خبرها وكان قياسه منع الصرف لكن نوّن للضرورة . وجملة أمثل طيفه للطرف : حال من التاء أو هي خبر بعد خبر . وكي : تعليلية والمعلل أمثل ، إذ المراد أمثل لعلي أن ألقى بذلك التمثيل خيال خياله . وللمتنبي في هذا المعنى قوله : إن المعيد لنا المنام خياله * كانت إعادته خيال خياله ولكن بيت الشيخ رضي اللّه عنه أبلغ لأنه لم ينظر في منام فكان تمثيله في حالة السهر وأما المتنبي فإنه نام فشبه في منامه ما كان قد رآه في المنام أيضا . وفي بيت المتنبي تعقيد في التركيب بخلاف بيت الشيخ فإن ألفاظه الدر المنظوم كما يظهر لأرباب الفهوم . [ المعنى ] ( ن ) : قوله وأبيت سهرانا : أي من غير نوم ولا غفلة عنه . وقوله أمثل طيفه : أي طيف ذلك الغزال المكنى به عن الحقيقة المحمدية التي هي المجلي التام للحقيقة الإلهية . وتمثيل طيفه كناية عن تخيله في اليقظة واليقظة منام كما ورد في الحديث الناس ينام فإذا ماتوا انتبهوا فإذا مثله في اليقظة فكأنه منام في نومه . وقوله كي ألقي خيال خياله : فإن خياله يلقاه في نومه فإذا كان في اليقظة التي هي منام ومثل فيها طيفه