الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
67
شرح ديوان ابن الفارض
( ن ) : غيبتهم عن ناظره كناية عن غلبة الغفلة عليه بحيث يرى المظاهر أغيارا لهم وأجانب عنهم وإلا فلا تتصور غيبة الحق أصلا لا عن الظاهر ولا عن الباطن . وقوله ملأت نواحي أرض مصر نواحا ، يعني أن تلك الأنة العظيمة أوجبت كمال الحزن لجميع أهل الجهات المصرية فأكثروا النواح عليه . وقوله تناسي عهدكم هو عهد الربوبية المأخوذ على كل نسمة آدمية حين قال تعالى : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : الآية 172 ] . اه . سقيا لأيّام مضت مع جيرة كانت ليالينا بهم أفراحا حيث الحمى وطني وسكّان الغضى سكني ووردي الماء فيه مباحا وأهيله أربي وظلّ نخيله طربي ورملة وادييه مراحا واها على ذاك الزّمان وطيبه أيّام كنت من اللّغوب مراحا قسما بمكّة والمقام ومن أتى ال بيت الحرام ملبّيا سيّاحا ما رنّحت ريح الصّبا شيح الرّبا إلّا وأهدت منكم أرواحا [ الاعراب والمعنى ] « سقيا » بفتح السين مصدر سقاه سقيا يقال سقيا الفلان ورعيا أي سقاه ورعاه اللّه فيجعلون التلفظ بالمصدر بدلا عن التلفظ بالفعل واعلم أن قاعدة العرب أنهم يدعون دائما بالسقيا لمن يحبونه سواء كان المدعو له مما يسقى أم لا . وما ذلك إلا لأن الغالب على أموالهم أنها إنما تنتفع بنتائج السقي وجرت عادة من اقتفاهم على ذلك في الأشعار العربية فلذلك دعا الشيخ رحمه اللّه بالسقاية لأيامه التي مضت مع جيرانه الذين كانت لياليه أفراحا وأعراسا بسببهم وإنما خص تلك الليالي بكونها أفراحا لأن العرس في الغالب لا يكون إلا ليلا . وقوله « مضت مع جيرة » جملة في محل جر على أنها صفة أيام . وجملة « كانت ليالينا بهم أفراحا » في موضع جر على أنها صفة جيرة وحكم على الليالي بأنها نفس الأفراح مبالغة وإلا فالليالي زمان الأفراح . قوله « واها » إلى آخر البيت يقال واها له وقد يترك تنوينه كلمة تعجب من طيب شيء وقد تكون كلمة تلهف وهي هنا للتعجب من طيب الزمان الذي أشار إليه الشيخ رحمه اللّه . و « الزمان » مجرور على أنه صفة لاسم الإشارة . و « طيبه » . بالجر معطوف على اسم الإشارة . وقوله « أيام » منصوب على أنه مفعول لفعل مقدر تقديره أمدح . « أيام كنت » وترك تنوينها لأنها مضافة إلى الجملة بعدها فكأنه لما تعجب أو تلهف على ذلك الزمان وطيبه أراد أن يبين أن ذلك الزمان هو الأيام التي كان بها مراحا من اللغوب . و « اللغوب » التعب أو أشدّه . و « المراح » بضم الميم اسم مفعول من أرحت زيدا من