الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

39

شرح ديوان ابن الفارض

لعله يشير بذلك إلى الصخيرات التي في عرفات ويكني بزائريها عن أهل الموقف بعرفة كناية عن الواقفين على سر الوجود الحق الساري بلا سريان في جميع الأعيان الكونية ملكها وملكوتها وجبروتها . وقوله ولفتية الحرم ، يكني بذلك عن المريدين المبتدئين في سلوك طريق اللّه تعالى . وكنى بالحرم ، عن حضرة التكليف الشرعي الذي تلك الفتية فيه لصدق عبوديتهم وخلوص سرائرهم وكمال خدمتهم لأحكام ربهم . وقوله المريع وصف للحرم بمعنى المخصب . كنى بذلك عن زيادة الإمداد الإلهي في ذلك الحرم ونتائج الخير والجزاء الوافي . وكنى بجبرة الحي عن المحبين المعتقدين في أولياء اللّه الصالحين بأعيانهم من عامة الناس فإن المرء مع من أحب وكون الحي منيعا ، أي محصونا بحصن اللّه تعالى . وقوله تلفتي وعنائي ، أي تعبي من الاعتناء بمن ذكر والاشتغال بهم ومشاهدة الحق تعالى بتجلياته بظواهرهم وبواطنهم . اه . فهم هم صدّوا دنوا وصلوا جفوا غدروا وفوا هجروا رثوا لضنائي [ الاعراب والمعنى ] قوله « فهم هم » اعلم أن مثل هذا التركيب مشكل بحسب الظاهر لأن المتبادر من التركيب اتحاد المبتدأ والخبر فيكون ممنوعا لأن اتحادهما يمنع صحة الحمل بينهما والجواب أن الشرط في الموضوع ومحموله أن يتحدا باعتبار ما صدقا عليه وأن يختلفا باعتبار المفهوم كقولك زيد قائم ، وههنا الأمر كذلك هم هم الأولون الذين أعرفهم بالوفاء وأعهدهم بموارد الصفاء ، أي هؤلاء قومي المذكورون هم الذين عهدتهم لم يتغيروا عن وصفهم الأول الذين هم الآن عليه وعليه المعول فهو على حد قول الشاعر : أنا أبو النجم وشعري شعري أي الذي كنت تعهده من شعري هو الآن بعينه وفي المعنى قول مؤيد الدين الطفرائي من قصيدته المعروفة بلامية العجم : مجدي أخيرا ومجدي أولا شرع * والشمس راد الضحى كالشمس في الطفل ومعنى البيت يرجع إلى أنه محب لهم على حالاتهم في الدنو والصد وفي الجفاء والوصل وفي الوفاء والغدر والهجر والترحم لما عند المحب من الضنا المقيم والجسم السقيم . قوله « صدوا دنوا » هكذا رأيته في بعض النسخ وهو وإن كان تحصيل الطباق فيه ممكنا بإرادة البعد من الصد لما أن الصد بمعنى الإعراض والإعراض بعد معنوي أو أنه يؤوّل الصد بالبعد الحقيقي لأن الصد يجر إلى البعد ولو بعد حين