الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

37

شرح ديوان ابن الفارض

ذلك ففيم عذلتني بين لي ذلك . قوله « خفض » أي اجعل همتك العالية في عذلي منخفضة وتنزل عن هذه المرتبة في العذل واتركني وبلائي أي اجعلني مصاحبا لبلائي ولا تدخل بين العصا ولحائها : فلا تدخلوا بيني وبين جفونه * إذا تدخلوا بين المهند والغمد ومفعول تدري محذوف أي لو تدري محبتي لهذا الحبيب الذي لمتني فيه لعذرتني ، وما عذلتني ولكنك لا تعرفه فإن كنت تعرفه فقل لي في أي شي عذلتني بيّنه لي إن كنت قادرا والمانع من تعليق فيم عذلتني بتدري ، وجهان الأول أن تدري يتعدى بنفسه لا بحرف نحو في الثاني أن تعلقه بما قبله يمحو عنه رسم الصدارة فافهم وهذه الأبيات الثلاثة عجب عجاب . وفيها الرقة التي تسبي أولي الألباب يقول : يا من يلومني في حب حبيب قد جد بي فيه وجدي العجيب . وقل صبري وزاد مني النحيب هلا نهاك عقلك يا أديب عن لوم صب حاله غريب يتنعم بما فيه الشقاء للبعيد والقريب . فمن كان متصفا بذلك ويحيا بما فيه الغير هالك فقد ضاعت فيه النصيحة وطابت له الفضيحة ورضي بالقصة الشنيعة دون المليحة فدعه فإنه رأى التعب مريحه وخفف ما عندك من الهمة العالية في نصيحة نفسه الفانية ودعه وغرامه وقلل نصيحته وملامه وأغرب من ذلك أنك لا تعلم من يهواه وليس عندك خبر من هواه والحكم على الغائب شاهد عليك بالمعايب لأن ذلك في مذهب الهوى خلل وهو عند أرباب المعارف وأهل الهوى جلل . أوما سمعت قول القائل : إن لامني من لا رآه فقد * جار على الغائب في الحكم وإن لحاني من رآه فقد * أضله اللّه على علم وفي الأبيات جناس التحريف بين من ومن ، فالأول بفتح الميم والثاني بكسرها وجناس شبه الاشتقاق بين جد ووجدي ، وشبهه أيضا بين عز وعزائي ، وفيها جناس الاشتقاق بين نهاك ونهاك ، وفيها الطباق بين النعيم والشقاء ، والجناس المضارع بين عذلتني وعذرتني ، لقرب المخرج ببين الراء واللام . ( ن ) : والمعنى لو أنك تدري يا أيها اللائم بسبب ، أي أمر عظيم عذلتني لعذرتني في عدم إطاعتك فإن محبة الحق تعالى الظاهر لي بتجليه في المظاهر أمر عظيم هو كمال في حقي ونجاة لي في الدارين ودخول تحت قوله تعالى : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : الآية 54 ] الآية . اه .