الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
363
شرح ديوان ابن الفارض
قال ذلك في وقت احتضاره ، والمعنى لو كنت أعلم بأن المحبة ذنب وأن آخرها هذا الموت وأنا مصرّ على الذنب . وقوله « لما خالفت لوّامي » جمع لائم وهو العذول الذي يعنف المحب على محبته ، وهذا جواب لو ، يعني لما كنت أخالف عواذلي ولوّامي وكنت أطيعهم في كل ما قالوا وأترك المحبة لكن ما علمت ذلك حتى ظهر لي ما ظهر مما لم يكن في حسابي . اه . أودعت قلبي إلى من ليس يحفظه أبصرت خلفي وما طالعت قدّامي لقد رماني بسهم من لواحظه أصمى فؤادي فواشوقي إلى الرّامي [ المعنى ] « أودعت » يقال أودعت زيدا مالا ، دفعته له ليكون عنده وديعة يحفظه . وقوله « قلبي » أي مجموع عقلي وروحي ونفسي . وقوله « إلى من ليس يحفظه » أي حفظ عناية وهداية ، وهو محبوبه الحقيقي ، وهو الذي كنّي عنه بصيغة الجمع في البيت السابق ، يعني حينئذ حيث ظهر لي ما ظهر ، وإلا فإن من أسمائه تعالى الحفيظ ، فهو يحفظ القلب وغيره من جميع الأكوان ، وذلك لأن الكلام كله مرتب على أوّله ، وأوّله قوله إن كان منزلتي الخ ، وهو أمر مشكوك عنده ، ولهذا استعمل فيه إن دون إذا وقال أحسب . وقوله « أبصرت خلفي » أي حينئذ أكون أيضا نظرت إلى الأمور الماضية التي خلف ظهري ، والكامل من الناس لا ينظر خلف ظهره وإنما ينظر بين يديه . وقوله « وما طالعت » أي ما نظرت نظرا دائما . وقوله « قدامي » أي أمامي وهو وقته الحاضر فيه . وقوله « لقد رماني » أي ذلك المحبوب المذكور ، وقوله « بسهم من لواحظه » أي عيونه ، أفرد السهم وجمع العيون لأنّ عيونه كثيرة حيث له ظهور بكل شيء على حسب كثرة أسمائه وصفاته واختلافها في الآثار ، وأما السهم الواحد فهو حقيقته الوجودية الواحدية الأحدية ، وقد ظهر له سهم منها أي ظهور واحد في نشأته الإنسانية وهو نصيبه كما قال قدس اللّه سره في خمريته . على نفسه فليبك من ضاع عمره * وليس له منها نصيب ولا سهم وقوله « أصمى » أي قتل . وقوله « فؤادي » ، أي قلبي وفيه تشبيه قلبه بالصيد الذي يرميه الصائد بالسهم فيقتله ، وقوله « فواشوقي » الفاء للتفريع . و « وا » للتعجب من كثرة شوقه . وقوله « إلى الرامي » أي الذي رماه بسهم من لواحظه كما ذكرنا ، والرامي هنا بالألف واللام للعهد الذكري ، وهو المذكور بقوله في أول البيت لقد رماني فيكون غير الرامي الذي في البيت بعده لأن الألف واللام فيه للجنس أو للاستغراق ، أي كل رام وإن كان ذلك الرامي المعهود هو كل رام أيضا ، لكن اختلاف اللفظين ولو