الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

355

شرح ديوان ابن الفارض

والغرائب وقوله « فقرّي به » أي بالمشتهى . وقوله « يا نفس » ينادي نفسه العارفة بربها معرفة ذوقية وجودية وجدانية . وقوله « فإنه » أي المشتهى المذكور بالمعنى المسطور . وقوله « والمؤنسون هواجع » يعني أنّ المؤنسين له في ظلمة ليل الأكوان من أهله وأصحابه وأحبابه على زعمهم أنهم مؤنسون له يتحدثون معه ، وعنده أن المؤنس له هو الحق الظاهر له بمظاهرهم وهم لا يشعرون لأنهم نائمون بنوم الغفلة والدعاوى النفسانية . اه . فها أنت نفس بالعلا مطمئنّة وسرّك في أهل الشّهادة ذائع [ المعنى ] « أنت بالعلا » بضم العين يعني المراتب العالية والمقامات السامية . وقوله « وسرّك » بكسر الكاف خطاب لنفسه المذكورة ، وسرّها هو الأمر الوجداني الذي يجده قلب العارف بربه المحقق مما لا يمكنه التعبير عنه عجزا عن بيانه ، وقوله « في أهل الشهادة » أي بينهم وأهل الشهادة هنا كناية عن العارفين بربهم المشاهدين لتجلياته في أنفسهم وفي غيرهم . وقوله « ذائع » أي ظاهر وإذا كان سرّ النفس ذائعا بين أمثاله من العارفين المحققين كان ذلك زيادة شرف في حقه وكمال طمأنينة في مقامه . لقد قلت في مبدأ ألست بربّكم بلى قد شهدنا والولا متتابع فيا حبّذا تلك الشّهادة إنّها تجادل عنّي سائلي وتدافع وأنجو بها يوم الورود فإنّها لقائلها حرز من النّار مانع هي العروة الوثقى بها فتمسّكي وحسبي بها أنّي إلى اللّه راجع [ المعنى ] « مبدأ » بالقصر وأصله بالهمز . وقوله « ألست بربكم » هو قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : الآية 172 ] الآية . وقوله « بلى » مقول قول لقد قلت . وقوله « قد شهدنا » أي عرفنا وتحققنا بمعاينة أنك ربنا . وقوله « والولا » بالفتح الملك والنصر والاستيلاء ، وقوله « متتابع » أي لا ينقطع وهو المدد الإلهيّ والسرّ الرباني الدائم الإمداد . وقوله « تلك الشهادة » أي التي أشهدني إياها ربي يوم أخذ الميثاق عليّ وبقيت معي إلا الآن . وقوله « تجادل عني سائلي » أي تخاصم عني من يسألني في الدنيا فتلهمني الجواب بطريق الفيض ، أو ترد السائل عني مخذولا مدحورا ، أو تكفيني فتنة سائل القبر في عالم البرزخ الأخروي . وقوله « يوم الورود » أي على الحق تعالى بانكشاف الحجاب المطلق ، وفتح الباب المغلق ، وانطواء الدنيا بأوهامها وظهور عالم الآخرة وانتشار