الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
351
شرح ديوان ابن الفارض
تجافت جنوبي في الهوى عن مضاجعي إلى أن جفتني في هواها المضاجع وسرت بركب الحسن بين محامل وهودج ليلى نورها منه ساطع وناديت لمّا أن تبدّى جمالها لعمرك يا جمّال قلبي قاطع فسيروا على سيري فإنّي ضعيفكم وراحلتي بين الرواحل ضالع [ المعنى ] « تجافت » تباعدت ، ومعنى البيت قد تباعدت جنوبه عن مضاجعها في ابتداء أمره عن قصد منه وإرادة إلى أن وصل إلى حالة تباعدت المضاجع عنه من غير قصد منه ولا إرادة ، وكان مختارا في ذلك فصار مضطرّا فيه . وقوله « وسرت » بضم تاء المتكلم ، وقوله « بركاب الحسن » هم جماعة العارفين بربهم . وقوله « محامل » جمع محمل كمجلس ومقود ، كناية عن صورهم الإنسانية المشتملة على حقائقهم الروحانية . وقوله « هودج » كناية عن الصورة الإنسانية الكاملة . وقوله « نورها » أي نور ليلى المكنى بها عن الحق تعالى ، وهو الوجود الحق الذي قامت به السماوات والأرض حتى قال اللّه تعالى : وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها [ الزّمر : الآية 69 ] وقال تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ النّور : الآية 35 ] . وقوله « منه » أي من ذلك الهودج . وقوله « يا جمال » بتشديد الميم ، وهو هنا كناية عن شيخ المريدين ومرشدهم ومنقذهم من عقبات الطريق ومنجدهم . وقوله « قلبي قاطع » بمعنى مقطوع . وقوله « فسيروا » يخاطب الحضرات الإلهية الرافلة في ملابس الصور الإنسانية الكاملة المكملة في المراتب العلمية والعملية ، فإنهم السائرون على نجائب الأسماء الربانية . وقوله « فإني ضعيفكم » أي أضعف من فيكم من الرجال أولي الهمم والإقبال . وقوله « وراحلتي » كناية عن نفسه التي يشير إليها بقوله أنا ، وقوله « ضالع » بالتذكير من غير مطابقة لراحلتي نظرا إلى المعنى ، فإن الراحلة بعير والضلع محركة الاعوجاج خلقة ، وهو في البعير بمنزلة الغمز في الدواب ، والضلع أيضا احتمال الثقل يقول إن راحلتي بين رواحل القوم معوجة في سلوكها ، ومثقلة في أحمالها تشرد عن الطريق المستقيم بشهواتها ، وقد أثقلت بهفواتها وغفلاتها . اه . ومل بي إليها يا دليل فإنّني ذليل لها في تيه عشقي واقع لعلّي من ليلى أفوز بنظرة لها في فؤاد المستهام مواقع والتذّ فيها بالحديث ويشتفي غليل عليل في هواها ينازع [ المعنى ] قوله « يا دليل » هو نور محمد صلى اللّه عليه وسلم لأنه من نور اللّه تعالى ، فالهادي هو اللّه تعالى به صلى اللّه عليه وسلم ، كما أنه صلى اللّه عليه وسلم الهادي باللّه تعالى لا بنفسه . وقوله « تيه » وهي المفازة ، والتيه أيضا الضلال ، وأرض تيه مضلة . وقوله « بالحديث » أي بالمحادثة والمكالمة ، وهي المناجاة القلبية الإلهية عند العارفين أهل الذوق والوجدان ، وهي الواردات الربانية من الحضرة الرحمانية العلية بأنواع العلوم والمعارف اللدنية . وقوله « ينازع »