الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

34

شرح ديوان ابن الفارض

النجم كما هو معلوم فهي تنوب مناب الحيا ، وتروي الظامئين في سائر الأحيا . قوله وا حسرتي : وا هنا للندية ، أي يندب حلول حسرته وحصول حرقته . قوله ضاع الزمان ، أي لم أحصل من زماني مراما حيث لم أركم ولا مناما . وقوله ولم أفز إلى آخر البيت ، جملة حالية لقوله ضاع أي ضاع الزمان حال كوني غير فائز منكم يا أهيل مودّتي القريبين من محبتي بلقاء . وما ألطف قوله وا حسرتي ، أوّلا ويذكر بعده ضياع الزمان وأنه لم يفز من أهل مودّته باللقاء . ولم يزل عن قلبه بذلك تعب ولا شقاء . ولك أن تقول جملة قوله ولم أفز : جملة معطوفة على جملة قوله ضاع الزمان والمناسبة حينئذ بين الجملتين المتعاطفتين ظاهرة . وقوله بلقاء : متعلق بقوله لم أفز ، ومنكم في الأصل صفة للقاء ، أي بلقاء كائن منكم وجملة أهيل مودّتي جملة دعائية معترضة بين المتعلق والمتعلق . ومتى يؤمل راحة من عمره ، متى : هنا استفهامية أي لا يؤمل لأنه استفهام إنكاري . ويؤمل : على وزن يفرح . والراحة : ضد التعب . ومن : بفتح الميم اسم موصول محله الرفع على أنه فاعل يؤمل وراحة بالنصب مفعوله مقدم . وعمره : مبتدأ . ويومان : خبره . وقوله يوم قلى : برفع يوم المضاف إلى قلى على أنه بدل التفضيل من الإجمال من المثنى . ويوم تنائي : كذلك معطوف على البدل المذكور فهو بدل أيضا . والمعنى : لا يؤمل ولا يتراجى راحة ولا سرورا الرجل الذي جميع عمره منحصر في يومين : أحدهما للقلى وهو البغض والثاني يوم التنائي وهو البعد . ومن المعلوم أن من يجد القلى من حبيبه لا يجد راحة ولا تخلو له من التعب ساعة . وكذا من يبعد عن أحبابه وينأى عن أصحابه كيف يجد السرور في عمره أو يصادف النعيم في إقامته أو سفره . وما ألطف قوله ومتى يؤمل ، أي لا يؤمل فإذا انتفى من المراد ترجيه ومن المرام تمنيه فانتفاء الحصول من باب أولى فكأنه يقول لا طمع في الراحة أصلا ولا سبيل إلى أن الفكر يترقبها لا سرعة ولا مهلا . ومن المعلوم أن هاتين الصفتين تورثان أشد العذاب وأفظع العقاب . أما القلى ، فإنه أعظم البلا وأما البعاد فنار الأكباد وعلى كل تقدير فالقرب أولى من البعاد . قال ابن عنين : لا تجمعنّ عليّ عتبك والنوى * حسب المحب عقوبة أن يهجرا لو عاقبوني في الهوى بسوى النوى * لرجوتهم وطمعت أن أتصبرا عبء الصدود أخف من عبء النوى * لو كان لي في الحب أن أتخيرا