الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

271

شرح ديوان ابن الفارض

الحق الصرف به لا بالنفس المغايرة له . ونظير ذلك قول الشيخ أبي مدين قدس اللّه سرّه : أدرها لنا صرفا ودع مزجها عنا * فنحن أناس لا نرى المزج مذ كنا حضرنا فغبنا عند دور كؤسها * وعدنا كأنا لا حضرنا ولا غبنا وقوله وإن شئت مزجها ، أي إن أردت يا أيها السالك خلط هذه المدامة المذكورة بغيرها ، يعني إن أردت النزول من حضرة الجمع ، وهو توحيدك الصرف ، وهو شهود الحق بالحق إذا وصلت إليه وتحققت به وأن كل ما عداه فان ، فمزجت ذلك الوجود الحق بصور الكائنات العدمية . وقوله فعدلك عن ظلم الحبيب عدلك أي انصرافك ، والظلم ماء الأسنان وبريقها ، والحبيب أي المحبوب وهو النور المحمدي الذي هو أوّل مخلوق من نوره تعالى على معنى أنه أول تقدير عدميّ وتصوير اقتداريّ ، فكأنه ماء ثغر الحبيب القديم ، ورشحات ثنايا مراشف النديم لأنها آثار أسمائه الحسنى ، وتجليات حضرات وصفه الأسنى . وقوله هو الظلم ، بالضم يعني أنه إن كان ولا بدّ من مزج الوجود الحق بالصور التقديرية المعدومة في نفسها بحيث تظهر موجودة بذلك الوجود الحق الواحد الأحد فليكن مزجها بما هو منها والكل منها . اه . فدونكها في الحان واستجلها به على نغم الألحان فهي بها غنم [ الاعراب والمعنى ] « فدونكها » أي خذها وتناولها . فدونك : حينئذ اسم فعل بمعنى خذ والكاف : حرف خطاب ، والهاء : مفعول ، والهاء : في دونكها للمدامة . و « الحان » موضع المدامة . قوله « واستجلها به » أي اطلب جلوة المدامة به أي بألحان . و « النغم » بفتح النون والغين جمع نغمة وهو صوت مشتمل على كيفية خاصة توجب طرب الطبع السليم ، وفرح القلب الكليم . قوله « فهي » أي المدامة . « بها » أي بالنغم . « غنم » بضم الغين أي غنيمة . وما أحسن قول من قال : المدامة بغير نغم غم ، وبغير دسم سمّ ، وبغير نديم ندم . وقول الآخر : ولا تشرب بلا نغم فإني * رأيت الخيل تشرب بالصفير وقد علمت أن الشعر المليح من جملة أسباب اهتزاز الأريحية عند بذل المكارم ، وقد قيل الكريم طروب . وما ألطف ما يروى للرقاشي حيث يقول : نبهت ندماني الموفي بذمته * من بعد إتعاب كاسات وأقداح