الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

225

شرح ديوان ابن الفارض

الكامل لأن الأسرار المذكورة خارجة عن معاني الأكوان وإشارات الأعيان لا تؤدّيها عبارة ولا تومي إليها إشارة ، ولهذا كان غير الهوى المذكور لا يدريها ولا يفهم معنى من معانيها . وقوله ورعي مصدر رعى عهده حفظه ، وهو منصوب أيضا بالعطف على مكاني . اه . ولم يبق منّي الحبّ غير كآبة وحزن وتبريح وفرط سقام يقول إن الحب قد دخل إلى دار جسده فأعدم ما فيها من الأوصاف ما عدا الكآبة ، وهي بفتح الكاف ومد الهمزة المفتوحة بمعنى الحزن . و « الحزن » بعدها بمعنى عطف البيان على حد قوله تعالى : إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [ يوسف : الآية 86 ] و « التبريح » هنا شدّة المحبة . و « فرط » بالفاء المفتوحة والراء الساكنة والطاء اسم مصدر من الإفراط ، وهو المبالغة في تحصيل الشيء . و « سقام » بفتح السين على وزن سحاب المرض . الإعراب : لم : حرف نفي وجزم . ويبق : بضم الياء ، وعلامة الجزم حذف الياء ، وكسر القاف عليها دليل . ومني : متعلق به . والحب : فاعل . وغير : بالنصب مفعول ، والاستثناء مفرّع أي لم يبق مني شيئا غير كآبة . وحزن وما بعده مجرور بالعطف على كآبة . وما أحسن قول الجوري : ولم يبق مني الحب غير تفكري * فلو شئت أن أبكي بكيت تفكرا وقلت في المعنى : وقد أفنى النحول دمي ولحمي * فما بي غير أفكار تجول ( ن ) : قوله مني ، أي من خلقتي الكونية ونشأتي الإمكانية . وقوله الحب بالضم أي المحبة الإلهية أو بالكسر ، بمعنى المحبوب وهو الحضرة العلية . اه . فأمّا غرامي واصطباري وسلوتي فلم يبق لي منهنّ غير أسامي البيت هكذا يروى ، وفيه أن الغرام قد يطلق على أسرار الحب ، فكيف يقول عنه إن الغرام قد زال عنه ولم يبق منه إلا الاسم . والجواب أن الغرام له معان ، فمن ذلك أنه بمعنى الولوع بالشيء والاستخفاف به ، ويكون بمعنى العذاب والهلاك ، ويقال فلان مغرم إذا كان أسير الحب ، فإن كان المراد منه الولوع بالهوى والاستخفاف بأحواله والتحرّش به وبأرباب الجمال وذكرهم ومداومة إنشاء الشعر فيهم فيصح نفيه كنفي الاصطبار والسلوة ، وإن كان المراد منه الأسر في المحبة والعذاب فيه ، فلا