الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
218
شرح ديوان ابن الفارض
فجرى موضعه دم المهجة . وقوله وبما جرى ، أي وبالخبر الذي جرى أي وقع بيني وبين أحبتي من أسرار المحبة وأحوال الأشواق . جرى ، أي سال يعني شأني . الثاني بمعنى دمعي وقوله انتحابي يعني بكائي من ألم الأشواق . أروح بقلب بالصّبابة هائم وأغدو بطرف بالكآبة هامي [ المعنى ] « أروح » هنا من الرواح وهو السير بعد الظهر ، ويقابله « أغدو » لأنه السير قبل الظهر . وهذا البيت عجيب في لفظه ومعناه . انظر إلى قوله « أروح » وقابلها بقوله « أغدو » ، وإلى قوله « بقلب » وقابلها بقوله « بطرف » ، وإلى قوله « بالصبابة » وقابلها بقوله « بالكآبة » ، وإلى « هائم » وقابلها « بهامي » فإنها توجد فيهما المقابلة الاصطلاحية في البديع التي هي الطباق بذكر الضدّ وذلك في أروح وأغدو ، وفي القلب والطرف لأنهما ظاهر وباطن ، وأما الصبابة والكآبة ففيهما الموازنة لفظا ويمكن الحكم بأن فيهما الطباق أيضا كما في أغدو وأروح ، وذلك لأنّ الصبابة عبارة عن الشوق أو رقته أو رقة الهوى ، وأمّا الكآبة فهي الحزن ولا شك أن الشوق أو رقة الهوى يستلزمان النشاط والحزن بخلافه . وفيهما السجع أيضا وهائم قلب هامي من غير ملاحظة الهمزة في هائم باعتبار أن أصلها غير مهموزة . وجميع الحروف متساوية في العدد أي كل كلمة حروفها مساوية في العدد لحروف الكلمة التي تقابلها ، فافهم ، فإن البيت عجيب غريب . فإن قلت : لم قدم الرواح وما يتبعه وأخر الغدو وما يتبعه ، والحال أنّ الغدوّ مقدم على الرواح . قلت : لوجهين : الأوّل أنّ الرواح من توابع الليل والليل مقدّم على النهار . والثاني وهو المطلوب هنا أنّ الشيخ لما جعل العشق في الرواح لزم أن يتقدّم على الغدوّ الذي جعله زمانا للبكاء لأنّ العاشق يعشق أوّلا ثم يبكي فالبكاء ينشأ عن العشق والمحبة . و « هامي » في آخر البيت من همي الدمع إذا نزل . و « الهائم » الحيران فهو يقول مساني قلب حيران بالصبابة ، وصيحني طرف ساكب بالكآبة ، وهو على حدّ قول القائل : صبحها الدمع ومساها الأرق * هل بعد هذين بقاء للحدق فقلبي وطرفي ذا بمعنى جمالها معنّى وذا مغرى بلين قوام البيت فيه لف ونشر على الترتيب ، وذلك لأنّ المعنى « بمعنى الجمال » هو القلب . و « المغرى بلين القوام » هو الطرف . و « المعنى » بضم الميم وفتح العين وتشديد النون اسم مفعول من عنيته على وزن قبلته تقبيلا فأنا مقبل وهو مقبل . وأصله معنى فتحرّكت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت الياء ألفا فالتقى ساكنان وهما الألف والتنوين