الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
20
شرح ديوان ابن الفارض
[ الاعراب والمعنى ] إنما قال « من حيث لا تدري » لأنه لم يكن قاصدا للإحسان ولكنه أحسن من حيث أنه قاصد للمساءة . قوله « وإن كنت المسئ » مؤخر في المعنى عن قوله « فأنت أعدل جائر » إذ المعنى أحسنت لي وأنت لا تدري أنك أحسنت فأنت أعدل جائر . وإن كنت المسئ وتكون « إن » هذه هي الوصلية و « الواو » حينئذ عاطفة لما بعدها على جملة مقدّرة قبلها هي أولى بالحكم أي أنت أعدل جائر إن لم تكن المسئ وإن كنت المسئ . وتجوز هذه الطريقة بعينها على أن يكون الترتيب في البيت على أصله من غير تقديم ولا تأخير فيكون المعنى أحسنت لي من حيث لا تدري إن لم تكن المسئ وإن كنت المسئ فأنت حينئذ أعدل جائر . فإن قلت : ألا يجوز أن يكون قوله فأنت أعدل جزاء لأن المذكورة في البيت . قلت : يجوز على أن المعنى أحسنت لي من حيث لا تدري وإن فرض أنك مسيء غير محسن فأنت حينئذ أعدل جائر فتوصف بالعدل وإن كنت جائرا . فإن قلت : كيف قال أعدل جائر مع أن شرط اسم التفضيل أن يكون المفضل عليه مشاركا للمفضل في أصل الفعل وإن كان المفضل راجحا على المفضل عليه فيه وهنا لا مشاركة للجائر في العدل فكيف صح استعماله . قلت : هذا من باب المشاركة التقديرية . كما يقال أنت أعلم من الحمار فكأنك قلت إن أمكن أن يكون للحمار علم فأنت مثله مع زيادة العلم . وليس المراد بيان الزيادة بل الغرض التشريك في شيء معلوم انتفاؤه وما هنا كذلك أي إن فرض أن يكون للجائرين عدل فأنت أعدلهم لوجود إحسانك لي من حيث لا تدري لأنك لم تكن قاصدا للإحسان . وجملة لا تدري في محل جر بإضافة حيث إليها . وحيث هنا عبارة عن مكان مجازي وهو وجوده بصفة لا يعلم أن لومه يتضمن الإحسان إلى الملوم . وما أحسن قوله وإن كنت المسئ فإنها تتضمن وإن كنت المسئ الذي لا مسيء سواه لأن تعريف الطرفين يفيد الحصر . ( ن ) : ثم شرع في بيان ذكر انتفاعه بلوم اللائم وإحسانه إليه باللوم وأما تضرره به وإساءته فذلك أمر ظاهر لا يحتاج إلى البيان فقال . اه . يدني الحبيب وإن تناءت داره طيف الملام لطرف سمعي السّاهر [ الاعراب والمعنى ] « يدني » مضارع من أدنى يدني بمعنى قرب يقرب . و « الحبيب » منصوب على أنه مفعول مقدم . و « طيف الملام » فاعله مضاف إلى الملام . وجملة « تناءت داره » معترضة . و « إن » وصلية لا تحتاج إلى جواب لكونها لمجرد التأكيد . و « تناءت » بمعنى بعدت . و « داره » فاعله . وقوله « لطرف سمعي » متعلق بيدني . و « الياء » في سمعي ياء المتكلم . و « الساهر » صفة لسمعي . وفي قوله « طيف الملام » استعارة بالكناية وتقريرها