الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

190

شرح ديوان ابن الفارض

وما برحوا معنى أراهم معي فإن نأوا صورة في الذّهن قام لهم شكل [ الاعراب ] اعلم أن خبر « برحوا معي » أي ما زالوا معي . وقوله « أراهم معنى » جملة معترضة تفيد أن كونهم معه دائما أنه يراهم معنى أي من جهة المعنى لا من جهة الحس ، فإن المعية تحتمل الوجود معك في الحس أو في المعنى ، فبيّن أنهم ما زالوا معي وأراهم في المعنى ، ويقرر ذلك قوله « فإن نأوا » والفاء للتفريع على كونه يراهم في المعنى دائما معه . والمعنى : فإن بعدوا في الصورة والحس قام لهم شكل في الذهن . فقوله نأوا : فعل الشرط . وصورة منصوب على التمييز أو على الظرفية المقدرة ، أي في الصورة . وقام : جوابه . وفي الذهن : متعلق بقام والذهن هنا مقابل الصورة . وقلت فيما يقرب من ذلك : كل البيوت التي فيها سكنت أرى * جمال وجهك يا مولاي يلقاني وما توطنت بيتا لا أراك به * فأنت عامر أوطاري وأوطاني ( ن ) : قوله معي من قوله تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : الآية 4 ] . وقوله فإن نأوا صورة ، النأي الصوري هو إلقاء الحق تعالى في قلب العبد معنى كون من الأكوان يوجب غفلة قلبه عن الشهود والعيان . اه . فهم نصب عيني ظاهرا حيثما سروا وهم في فؤادي باطنا أينما حلّوا لهم أبدا منّي حنوّ وإن جفوا ولي أبدا ميل إليهم وإن ملّوا [ الاعراب والمعنى ] أقسم بما أعطى اللّه هذا العارف من الفصاحة ، وما ألبس كلامه من ملابس الملاحة ، لقد نطق بما يأخذ العقول ، ويذهب بالمعقول ، انظر إلى هذه المقابلات المقبولة والمطابقات التي تطابق على قبولها الأدلة المعقولة . « النصب » بفتح النون بمعنى المنصوب في الظاهر ، أي في أيّ مكان سروا فيه ، وهم في فؤادي في الباطن في أي مكان حلوا فيه . والظاهر أن مراده « بسروا » مطلق السير لا خصوص كونه في الليل بدليل قوله في مقابلته « أينما حلوا » فإن ذلك يقتضي مقابلة الإقامة بمطلق السير . وأمّا قوله « لهم أبدا مني حنوّ وإن جفوا » الخ ، فهو عقد كل درّة منه ثمينة ، وروض سقته من سحائب الطباع السليمة كل ديمة . و « الحنوّ » العطف والميل والمحبة والهوى . و « إن جفوا » إن وصلية أي إن لم يجفوا وإن جفوا ، وتنكير الحنوّ للتعظيم أي حنوّ عظيم ، من طبع كريم على العهد مقيم ، لا يحول ولا يريم ، ولي