الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

168

شرح ديوان ابن الفارض

نأيتم فغير الدّمع لم أر وافيا سوى زفرة من حرّ نار الجوى تعلو « نأيتم » من النأي وهو البعد . و « الفاء » في قوله فغير الدمع تدل على تفريع ما بعدها على ما قبلها ، فإن عدم وفاء جميع الأصدقاء سوى الدمع والزفرة التي علت بالعين المهملة أو بالغين المعجمة فإن النار توصف بالعلو وبالغلو ، أما كونها عالية أي رفيعة ذاهبة إلى جانب المحيط فذلك من كثرتها وقوّتها ، وأما كونها غالية بالمعجمة . فمن قولك غلا في الأمر غلوا إذا جاوز حدّه ناشىء من النأي . وقوله « سوى زفرة » يشبه تأكيد المدح بما يشبه الذم ، وحاصل الأمر أن له صديقين وفيين بعهده بعد بعد أحبابه ونأي أصحابه وهما الدمع والزفرة والبكاء والحسرة . وما أحسن قول القائل : وعما قليل لا دموعي ولا دمي * ترين ولكن لوعتي وتحرقي ( ن ) : قوله نأيتم ، أي أعرضتم عني أيها الأحبة المذكورون فلم تتجلوا بي عليّ ، وحجبتموني بي عنكم ، ثم أخذ يشكو حاله وما يقاسيه في طريق المحبة . فقال إنّ الدمع فاض فوفّى بعهد محبتي ، وفرّج عني بعض ما أجد ووفّى لي بالعهد أيضا التنفس الشديد والتحرّق المديد وتنكير الزفرة للتعظيم والتهويل . وقوله تعلو بالعين المهملة ، أي ترتفع ولو كانت « 1 » بالمعجمة لكانت تغلي بالياء لأن الغليان يائي . اه . فسهدي حيّ في جفوني مخلّد ونومي بها منيت ودمعي له غسل [ الاعراب والمعنى ] ثم أخذ يذكر أحواله وما بدّل حاله بقوله « فسهدي » السهد بضم السين الأرق ، وفعله سهد كفرح وحياته عبارة عن بقائه وتأثيره في الجفن ، و « مخلد » خبر بعد خبر . و « في جفوني » متعلق بحي . و « نومي » مبتدأ . و « ميت » خبر . وهو بتسكين الياء . وذكر بعضهم أن الميت بالتخفيف من اتصف بالموت بالفعل . وأن الميت بالتشديد من حضرته الوفاة ولم يمت بعد . و « دمعي » مبتدأ . و « غسل » خبر وله متعلق به . ولا يخفى حسن البيت فإن النوم في مقابلة السهد طباق وكذلك الحي والميت ، والضمير في بها للجفون ولا تخفى المناسبة في ذكر الموت والغسل للميت وهو النوم . قال الشيخ في التائية : فإنسانها ميت ودمعي غسله * وأكفانه ما أبيض حزنا لفرقتي

--> ( 1 ) لو كانت لم تكن كما قال إذ ليس ذلك بلازم كما تقرر أوّلا . اه .