الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
163
شرح ديوان ابن الفارض
بعد خبر لقوله « والمحبة » ويجوز كونها جملة مستأنفة لبيان أن المحبة هي سبب الاتصال ، كما أن ضدها سبب الانفصال واتصال الحبل عبارة عن دوام المحبة وانتظام أسباب المودة . وقال الشاعر : كأن لم يكن بيني وبينكم هوى * ولم يك موصولا بحبلكم حبلي قوله « عسى عطفة » اعلم أن عسى ترفع الاسم وتنصب الخبر والغالب في خبرها أن يكون مضارعا مقترنا بأن المصدرية ، ويقل كونه مضارعا بدون أن تشبيها لها بكاد ، وورود خبرها اسما شاذ على حد قوله ( لا تلحني إني عسيت صائما ) ، وقوله ( عسى الغوير أبؤسا ) . فعسى التي في البيت يجوز أن تجعل خبرها محذوفا والتقدير عسى عطفة كائنة منكم . و « علي » صلة عطفة . وكذا « بنظرة » يقال عطف بالنظر أي توجه . قوله « فقد تعبت بيني وبينكم الرسل » أي طلبت منكم عطفة لعلكم أن تلتفتوا إليّ بنظرة أراكم بها فإن الرسل قد تعبت بيني وبينكم ، ولم يفد ترددها شيئا فحيث لم يفد الترسل ولم ينتج التوسل فقد لجأت إلى طلب الرحمة والانعطاف ، فأنتم أهل الإنجاد والإسعاف . ثم قرر أنهم أحبة على كل حال وإليهم يرجع منه المآل ، ولو لم يعطفوا عليه ولم ينظروا إليه . وما أحسن تعريف الطرفين في قوله « أحباي أنتم » أي ليس لي حبيب سواكم ، ولا أتمنى سوى لقياكم ، وقوله « أحسن الدهر أم أسا » من محاسن العبارات ولم يقل أحسنتم أم أسأتم لأنه لا يريد نسبة الإساءة إليهم ولا على سبيل الترديد . قوله « فكونوا كما شئتم » أي اجعلوا فعلكم الظاهر تابعا لمشيئتكم في الباطن ، فمهما رأيتم فهو الصواب وعليه تثبت إرادة الألباب . وقوله « أنا ذلك الخل » أي المعهود الذي لا يخالف عقد العهود ، فلا تغيره الأيام والليالي ، ولا تحوله حوادث الدهر عن وداده في المدد الخوالي . ( ن ) : أضاف الأحبة إلى قلبه لصدقه في محبتهم وخطابه بالنداء للحضرات الإلهية حضرات الأسماء والصفات الظاهرة بآثارها في عوالم الإمكان . وقوله والمحبة شافعي لديكم يعني لا وسيلة لي إلى قربكم والوصول إلى لقائهم إلا محبتي لأن عملي لكم واعتقادي فيكم من واجبات عبوديتي وما بقي عندي إلا المحبة فهي الشافعة لي في تحصيل القرب . وأيضا فإن المحبة القديمة من أوصافه تعالى لخلقه قال تعالى : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : الآية 54 ] وقوله بها اتصل الحبل ، أي بسببها ، والضمير للمحبة . قال تعالى : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [ آل عمران : الآية 103 ] وحبل الله هو القرآن طرفه الأعلى بيد اللّه وهو جهة كونه كلامه القديم ، وطرفه الآخر النازل بأيدينا ، وهو كوننا نقرأه ونفهم معناه ونؤمن به ونعمل بمقتضاه ،