الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
147
شرح ديوان ابن الفارض
طريقة مسلوكة في المحبة الإلهية من طرائق محمد حبيب اللّه . وقوله عندي ، أي بالنسبة إلي لا بالنسبة إليه لأنه جاهل غافل لا يعرف الأعالي من الأسافل . وقوله فاعجب أمر من العجب خطاب لكل من يعلم بالحال من جهابذة الرجال . وقوله كانت ، أي الحالة التي ذكرها وهي محبته للوم الصادر عن لؤم العذول وحماقته . وقوله علامة عذالي ، أي سميتهم التي يعرفون بها بين المحبين مثلي فيحبونهم لذلك ويرغبون في لومهم لهم . اه . جهلت بأن قلت اقترح يا معذّبي عليّ فأجلى لي وقال أسل سلسالي [ الاعراب والمعنى ] قوله « جهلت » أي ذهبت مذهب الجاهلين ، واتصفت بصفة الجهل بقولي لمحبوبي اقترح عليّ أي طلب مني مطلبا تريده بغير فكر وروية فإني أتبعك في مطلوبك ، وأطيعك في إرادة محبوبك . قوله « فأجلى لي » أي أظهر لي ثغره وفتح مبسمه وأهدى دره ، فقال لي مقترحا عليّ حسبما طلبت منه ، « أسل » بضم الهمزة وضم اللام فعل أمر من سلا يسلو ناقص واويّ . والمراد « بسلسالي » الطريق الذي تسلسل فيما بين الأسنان ، والمراد أنه يشكو من جهل نفسه بقوله للحبيب اقترح عليّ يا معذبي شيئا من أنواع المطالب ، فكان جوابه أنه أبرز لي ثغره البراق ، وعقد جوهره الفائق على كل نطاق ، وقال لي أسل محبة هذا الريق السلسال ، والمورد الذي في مجاري ماء الحياة قد جرى وسال ، ودع محبة هذا الريق ، واترك من خاطرك ذلك النور والبريق . وفي البيت السجع في قوله فأجلى لي وقال اسل سلسالي . ( ن ) : قوله يا معذبي ، أي يا حبيبي الذي يعذبني بصدّه ويعاقبني بهجره وبعده ، وهو ذو الخال المشار إليه سابقا وهو محبوبه الحقيقي . وقوله فأجلى لي أي كشف لي وحققني بمظاهر تجلياته من حضرات أسمائه وصفاته ، وقوله سلسالي ، كناية عما يظهر من الأكوان عن قوله تعالى للشيء : كُنْ فَيَكُونُ [ البقرة : الآية 117 ] وقوله له أسل سلسالي ، أي أعرض عنه ، ولا قدرة له على الإعراض عنه لتحققه به ومعرفته التامّة بأنه غاية نصيبه منه لأن زهد المحققين في الكائنات انقطاع منهم عن رب الأرض والسماوات بالعكس من حالات السالكين في طريق المعرفة واليقين ، فإن زهد السالك ، في جميع الممالك ، منقذ له من المهالك . اه . وهيهات أن أسلو وفي كلّ شعرة لحتفي غرام مقبل أيّ إقبال [ الاعراب والمعنى ] استعاذ لما طلب منه الحبيب سلو ذلك المورد العذب . وقوله « هيهات » أي بعد سلوّي لذلك السلسال بذلك المقال ، والحال أن في كل شعرة من بدني غراما قد أقبل