الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
145
شرح ديوان ابن الفارض
( ن ) : قوله لما فنيت ، أي زال عني وجودي الذي كنت أتوهمه وظهر لي أنه وجود الحق تعالى منزها عن صورتي الظاهرة والباطنة لأنها عدم في وجوده تعالى . وقوله بحبه ، أي بسبب محبتي له لأنه لا وسيلة بين القديم والعديم إلا المحبة . وقوله بثروة إيثاري ، يعني أنه وصل إلى مقام البقاء باللّه بعد الفناء فيه بسبب كثرة تقديم الغير على نفسه في كل نفع وكل خير دنيويّ . قال تعالى : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [ الحشر : الآية 9 ] وأما في أمور الآخرة فيؤثرون أنفسهم على غيرهم . وقوله وكثرة إقلالي ، يعني وبسبب زيادة فقري إلى اللّه تعالى ، قال سبحانه وتعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ [ فاطر : الآية 15 ] والخطاب في الآية للكاملين . اه . رعى اللّه مغنى لم أزل في ربوعه معنّى وقل إن شئت يا ناعم البال [ الاعراب والمعنى ] « المغنى » بالغين المعجمة المنزل ، وسمي مغنى لأنه يغني صاحبه عن منازل غيره . والغانية المرأة التي استغنت ببيتها عن بيوت الجيران ومنازل الخلان . وقوله « رعى اللّه » جملة دعائية للمغني ، ومعناها حفظه اللّه تعالى . وقوله « لم أزل في ربوعه معنى » ومعنى بالعين المهملة أي تعبان ، والهاء في ربوعه تعود للمغني ، فهو يقول حفظ اللّه منزلا ما زلت تعبا في منازله لأن التعب في المحبة راحة ، والبخل من الحبيب على المحب سماحة . قوله و « قل إن شئت يا ناعم البال » أي وإن شئت قل إني في ربوعه ناعم البال ، فنادني بذلك . والحاصل أنه يقول ما زلت في مغنى الحبيب منعما ، والحال أني متعب ولهان : تعب الحبيب على الحقيقة راحة * عند المحب وناره رضوان فإذا أردت فصف فؤادي بالهنا * أو شئت قل في قلبه أحزان وفي البيت جناس التصحيف بين مغنى ومعنى ، والطباق بين المعنى وناعم البال . ( ن ) : قوله مغنى كناية عن عالم الكون كله ، أو عن عالمه الإنساني . فإن أهله وهو الحق تعالى كان ظاهرا متجليا به على قلبه ، ثم احتجب عنه لسبب مّا من أسباب الحجاب . وقوله لم أزل في ربوعه ، أي لم أزل ساكنا في تلك الربوع ، يعني لم أزل ذائقا أسرار تلك التجليات بها والظهورات الإلهية عليها ، وكاشفا عن ذلك بالحس لا بالفكر والعقل مع الغيبة عنها . وقوله وقل خطاب لكل من يراه من الناس ويحس بحاله التي هو فيها ولو بعض إحساس . اه .