الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

136

شرح ديوان ابن الفارض

وهو حجر إسماعيل في البيت الحرام ، وقد يطلق الحجر على مكان معروف في ديار ثمود قال اللّه تبارك وتعالى : كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ [ الحجر : الآية 80 ] . والحجر أيضا العقل ، وآخر المصراع الأوّل الياء من الميزاب وأوّل الثاني الزاي . و « الميزاب » هنا عبارة عن ميزاب الرحمة في البيت الحرام . و « المستجاب » على صيغة اسم المفعول موضع به يستجاب الدعاء بالنص عليه . و « للقصاد » متعلق بقوله المستجاب ، أي هو مستجاب للقصاد ، أي لقوم يقصدون الدعاء ويطلبون من اللّه إجابته . و « ما شممت » جواب القسم ، وشممت على وزن علمت . و « البشام » بفتح الباء الموحدة وبعدها الشين المعجمة ، شجر معروف طيب الرائحة . قوله « إلا وأهدى » اعلم أنه قد ترد الجملة الحالية الماضوية بعد أداة الاستثناء ويكون الاستثناء مفرغا ، ويكون المستثنى منه أعم الأحوال . كقوله : ما يئس الشيطان من بني آدم إلا وأتاهم من قبل النساء . والمعنى : ما شممت البشام في حال من الأحوال إلا في حال إهدائه لفؤادي تحية من حبيبتي سعاد . ولا يحتاج الفعل الماضي حينئذ إلى قد لوقوعه بعد أداة الاستثناء . وتحية بالنصب مفعول أهدى من سعاد للفؤاد لكونها هدية لطيفة تناسب الفؤاد لأنها عبارة عن طلب الرائحة التي تهدى إلى القلب . من شم رائحة البشام فتذكر طيب سعاد وما مضى بوصلها من الأيام . ولا يخفى السجع في البيت الأوسط حيث قال : وظلال الجناب والحجر والميزاب والمستجاب . وفي بيت البشام مسك الختام . ( ن ) : قوله الحطيم كناية هنا عن نفس العارف لأنها محتطمة من الحطم وهو الكسر من قبله فالقلب بيت الرب ، والنفس منه كالحطيم من البيت الشريف احتطمه الجهل من جاهلية السالك في مقام عرفانه . وقوله الركن ، كناية عن الركن الشديد في قول لوط عليه السلام فيما حكاه اللّه تعالى عنه . قال تعالى : لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ [ هود : الآية 80 ] وقال صلى اللّه عليه وسلم : « رحم اللّه أخي لوطا إنه كان يأوي إلى ركن شديد » وهو الالتجاء إلى اللّه تعالى والاعتماد عليه في جميع الأمور . قوله والأستار جمع ستر وهي الحجب النورانية قال عليه السلام إنّ للّه سبعين ألف حجاب من نور وظلمة ، الحديث ، فالحجب النورانية عالم الأرواح ، والظلمانية عالم الأشباح أو النورانية عالم الأسماء والصفات القديمة والظلمانية عالم الأفعال والآثار الحادثة . وقوله والمروتين يكني بذلك عن الروحانية والجسمانية فإنّ ذلك مما يشعر باللّه سبحانه لأنه أثره المخلوق بتوجه أسمائه وصفاته . وقوله مسعى العباد فإنّ السعي بين الصفا