الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

117

شرح ديوان ابن الفارض

أنه لم يبق من جسم العيس إلا جلد على عظام ظاهرة فإن « البوادي » جمع بادية أي ظاهرة والعظام إذا كانت ظاهرة كان الجسم في غاية الهزال لأنها لا تظهر إلا لفقد اللحم الذي من عادته أن يسترها . ( ن ) : قوله لها أي للعيس المذكورة . وقوله المهامه ، كناية عن منازل السائرين إلى اللّه تعالى فإنهم يجدون في طريق سيرهم أحوالا وتنكشف لهم أمور لا يشاركهم فيها أحد من الغافلين فهي مقفرة من الواجدين ولهذا ينكرها عليهم أهل الغرور بالدنيا . وقوله جسما مفعول تبقي لأنها تسقمه وتمرضه بتراكم البلاء وتزاحم المؤذيات . وقوله غير جلد على عظام ، كناية عن القوى النفسانية . وقوله بوادي جمع باد من باد يبيد هلك . اه . وتحّفت أخفافها فهي تمشي من جواها في مثل جمر الرّماد [ الاعراب والمعنى ] « الحفوة » مثلثة الحاء اسم والحفاء رقة القدم والخف . فالمعنى قد رقت أخفافها من كثرة السير . « والأخفاف » جمع خف والخف للجمل كالحافر للفرس . قوله « فهي » الضمير للعيس . و « الجوى » بالجيم له معان وهو هنا بمعنى شدة الوجد على الأقرب . وقوله « في مثل جمر الرماد » يمكن شرح هذا على ثلاثة أوجه الأوّل أن يكون المراد تشبيه صورة وقع خفها على التراب أو الرمل بجمر بين أجزاء الرماد لأنها ترسم بخفها حمرة الدم الحاصل من حفو خفها ورقة قدمها فإن تتابع السير مع حفوة الخف موجب لإدماء خفها ولا يكون إلا بعضه فيكون حينئذ مرتسما في لون الرماد كجمر بين أجزاء الرماد . الثاني أن يكون المراد تشبيه ذات أسفل الخف الذي يقع على الأرض فإنه يكون بعض أجزائه أحمر والبعض الآخر يبقى مغبرا كلون الرماد فالمراد تشبيه صورة ما يقع من الخف على الأرض بعد حفوة الخف ورقته وذلك موجب لأن يكون كجمر بين أجزاء رماد . الثالث أن يكون المراد بيان الحرارة الموجودة في موطىء خف العيس لأن رقة القدم وحفوته مما يوجبان سرعة تأثير حرارة الأرض التي تطؤها العيس في أخفافها فهي تمشي من شدة وجدها مع حفوة قدمها في أرض كالجمر الذي يكون في الرماد ووجه تخصيصه حينئذ طول بقائه وعدم سرعة انطفائه فتأمل . ( ن ) : قوله وتحفت أخفافها ، كناية عن ترك النفوس التعلق بالأسباب الدنيوية . وقوله فهي أي العيس المذكورة . وقوله تمشي من جواها يعني سيرها في الأمور الدنيوية والمصالح المعاشية من شدة تركها للأسباب وتباعدها عنها . وقوله في مثل جمر الرماد لصعوبة الأمور عليها وتعذر حصولها من غير معاطاة أسبابها . اه .