الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
111
شرح ديوان ابن الفارض
والمخاطب به الحبيب الذي خاطبه بقوله « بحق عصياني اللاحي عليك » . وانظر هنا من النظر الذي هو بمعنى الحنوّ . و « عليك » متعلق « بذابت » أي ذابت لأجل محبتك . و « جوى » مفعول لأجله أي ذابت في محبتك لأجل الجوى الذي هو مرض الباطن لأجل الحب . و « مقلة » بالجر عطفا على « كبد » أي انظر إلى الكبد الذائبة والمقلة التي هي بدم القلب صائبة فهي في دمائها غرقى من دم الكبد التي ذابت عليك عشقا . واعلم أنني لم أسمع في مدة العمر ألطف من قوله « تعثر آمالي » و « ذل أطماعي » ومن سمع تعثر الآمال وذل الأطماع قبل هذا الكلام والآمال إذا ما تعثرت تراها تتمنى الوصال ثم تراه بعيد المنال فتسقط في مقام اليأس ثم تستند إلى قوة الرجاء فتقوم طامعة ثم تخور راجعة فلا تزال بين اليأس والرجاء والفزع والالتجاء ومن كان بهذه الحالة فإنه يبكى عليه رحمة لما هو فيه من الحيرة وبعد ذلك يرجع إلى خداع تمنيه أن يوعد بالفرج فانظر إلى هذه المراتب أوّلا الرجوع فإن المرتجع مصدر ميمي على صيغة اسم المفعول ويرجع إلى تمنيه فالتمني المرتبة الثانية والمرتبة الثالثة الوعد والمرتبة الرابعة الفرج . والمعنى : وارحم رجوعي بعد تعثر آمالي إلى خداع أن أتمنى أن أوعد منك بالفرج فهو راض بالخيال من غير مآل لتعثر الآمال وتمني وعد الوصل بالفرج من ضيق الحال ، نعم نعم هكذا هكذا وإلا فلا لا طرق الجد غير طرق المزاح وما أحسن عطفه العطف على الرحمة في قوله واعطف عطفا على وارحم وإنما أضاف الذل إلى الأطماع لأن من شأن الطمع الذل . وفي الأمثال من طمع ذل والأطماع بفتح الهمزة على وزن أفعال جمع طمع وهو الحرص على الشيء . قوله بهل وعسى متعلق بأعطف أي تعطف على ذل طمعي إذا شاهدته فإن العزيز إذا رأى ذل عبده بين يديه تعطف عليه . لكن قوله بهل وعسى فيه إشكال من جهة هل لأن هل للاستفهام والحبيب إذا عطف لا يقول لعاشقه هل نعم قد يقول له إذا طلب منه لطفا وعطفا عسى يكون ذلك وأما الاستفهام ففيه إشكال ويمكن الجواب أيضا بأن هل هنا استعملها الشيخ بمعناها الأصلي وهو قد فيكون المعنى اعطف على أطماعي إذا شاهدت ذلها بما يقتضي تحقيق اللطف والالتفات وهو قد وبما يقتضي الرجاء وهو عسى ويمكن الجواب أيضا بأن هل ترد بمعنى الجزاء أي اعطف على ذل أطماعي عند مشاهدتها جزاء للذل ويمكن هنا جواب آخر غير أنه بعيد في غاية البعد وهو أن يكون المعنى اعطف على ذلي بأن تجعلني مستفهما منك عن سبب الوصال وأنت عند استفهامي تجيبني بلفظ الرجاء ومع ذلك فاللفظ مشكل . قوله وامنن على وزن وانصر