الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

68

شرح ديوان ابن الفارض

وقال الأرجاني : رمى فأصمى الحشا مني وما علما * حتى رأى مقلتيّ القرحا تسيل دما ومما ينتظم في ذلك قول بعضهم : دم القلب في عيني وتسخو بمائها * فقل في إناء لا بما فيه راشح وينتظم في ذلك ولو على بعد قول الآخر : وقائلة ما بال دمعك أخضرا * فقلت لها هل تفهمين إشارتي ألم تعلمي أن الدموع تجفّفت * فأجريتها يا منيتي من مرارتي وقال الآخر : وقائلة ما بال دمعك أبيضا * فقلت لها يا علوّ هذا الذي بقي ألم تعلمي أن البكا طال عمره * فشابت دموعي مثل ما شاب مفرقي وعمّا قليل لا دموعي ولا دمي * ترين ولكن لوعتي وتحرّقي وقال الآخر : وقائلة ما بال دمعك أسودا * وقد كان محمرّا وأنت نحيل فقلت لها إن الدموع تصرّمت * وهذا سواد العين فهو يسيل ( ن ) : ذابت الروح أي فنيت واضمحلّت في أمر اللّه تعالى لأنها من أمره كما قال تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : الآية 85 ] ، فنظري الآن إنما هو بأمر اللّه تعالى السريع الذي هو كلمح بالبصر من قبيل قوله : كنت بصره الذي يبصر به الحديث . اه . فهبوا عينيّ ما أجدى البكا عين ماء فهي إحدى منيتيّ هبوا : أمر من الهبة ، وفاء الكلمة محذوف وهو واو . و « عينيّ » : مثنى عين مضاف إلى ياء المتكلم ، وحذفت نون التثنية للإضافة . و « ما » : مصدرية ظرفية . و « أجدى » بالجيم بمعنى نفع . و « البكاء » : إجراء الدموع من حزن ، وقد يكون من فرح ، وقيل : ما كان بصوت فهو ممدود ، وما كان بغير صوت فهو مقصور واستشهد له بقول الشاعر : بكت عينيّ وحقّ لها بكاها * وما يغني البكاء ولا العويل