الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
349
شرح ديوان ابن الفارض
[ المعنى ] ( ن ) : الخطاب للقلب في البيت السابق فإن القلب المذكور هو الحيّ بالحياة الحقيقية القديمة الأزلية الأبدية لا بالحياة الطبيعية الحادثة الفانية فإنه مات منها بقوله فمت بها صبا وهو مطّلع بالاطّلاع الإلهي على من تقدّمه وعلى من تأخّر عنه ، وعلى من في زمانه اطّلاعا واحدا من حيث دخول الكل في حقيقته لرجوعه ورجوعهم كلهم إلى أمر اللّه تعالى الذي هو منشأ الروح المنفوخ منه أرواح في الأجسام الطبيعية . وقوله عني خذوا : أي تعلّموا علوم اللّه تعالى الفائضة عليّ . اه . ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا سرّ أرقّ من النّسيم إذا سرى وأباح طرفي نظرة أمّلتها فغدوت معروفا وكنت منكّرا فدهشت بين جماله وجلاله وغدا لسان الحال عنّي مخبرا قوله « ولقد خلوت مع الحبيب » : « خلوت » بالتاء المضمومة التي هي ضمير المتكلم . و « مع الحبيب » : متعلق به . والواو في قوله « وبيننا » : واو الحال ، أي خلوت به في حالة وجود سر بيني وبينه أرقّ من النسيم وألطف من الوجه الوسيم ، وأحلى من الثغر البسيم ، فيا فرحة المحبّ إذا خلا مع حبيبه وكان إبراز سرّه إليه منتهى نصيبه ، يشكو له بلسان دمعه ، ويبدي له درر نظره وسمعه ، ويخلع عليه حلّة جمعه ، وينزله في فراديس ربعه . الإعراب : اللام في ولقد واقعة في جواب قسم مقدّر ، أي واللّه لقد خلوت مع الحبيب . وبيننا : الواو للحال . وبيننا : متعلق بمحذوف على أنه خبر مقدّم ، وسرّ : مبتدأ مؤخر . وأرق : بالرفع صفة سر . وقوله من النسيم : متعلق بأرق . وقوله إذا سرى : إذا هنا بمعنى الحال على حدّ قوله تعالى : وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى ( 1 ) [ الليل : الآية 1 ] وإنما خصّص ذلك بوقت السرى لأن لطف النسيم إنما يظهر إذا سرى أواخر الليل يحمد القوم السرى . قوله وأباح طرفي نظرة : ضمير أباح يعود إلى الحبيب ، أي وأباح الحبيب طرفي نظرة ، وأباح الشيء جعله مباحا بعد أن كان ممنوعا ، وأباح يتعدى إلى مفعولين الأول طرفي والثاني نظرة . وقوله أملتها : جملة في موضع نصب على أنها صفة النظرة . قوله فغدوت : هي هنا بمعنى صرت ، والتاء : اسمها . ومعروفا : خبرها . قوله وكنت منكرا : المنكر هنا اسم مفعول من نكر الشيء إذا جعله نكرة بعد أن كان معروفا . والفاء في قوله فغدوت إشارة إلى أن التعريف الذي صار له ناشىء عن النظرة التي أبيحت له فتلك النظرة آلة التعريف وحيلة التوصيف . وقوله فدهشت على صيغة البناء للمجهول من الدهشة وهي الحيرة التي توجب اختلاط أسباب الشعور . وقوله