الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

341

شرح ديوان ابن الفارض

قال لي حسن كلّ شيء تجلّى بي تملّى فقلت قصدي وراكا لي حبيب أراك فيه معنّى * غرّ غيري وفيه معنى أراكا إن تولّى على النّفوس تولّى * أو تجلّى يستعبد النّسّاكا فيه عوّضت عن هداي ضلالا * ورشادي غيّا وستري انتهاكا وحّد القلب حبّه فالتفاتي * لك شرك ولا أرى الإشراكا يا أخا العذل فيمن الحسن مثلي * هام وجدا به عدمت إخاكا لو رأيت الذي سباني فيه * من جمال ولن تراه سباكا ومتى لاح لي اغتفرت سهادي * ولعينيّ قلت هذا بذاكا [ المعنى ] قوله « قال لي حسن كل شيء تجلّى » : المراد أن كل حسن من كل حسن تجلّى وظهر في الوجود بصورة الجمال . خاطبني بلسان حاله دالّا على لسان مقاله . وقال لي : تملّى بي ، أي تمتّع بي . وكان الواجب أن يحذف الألف في تملي لأنه فعل أمر معتل الآخر ولكن أشبع الفتحة على اللام فتولّد منها ألف . فقلت في جوابه مسارعا لخطابه « قصدي وراك » ، أي مقصودي ومطلوبي وراك ، أي غيرك ، لأن مطلوبي ليس داخلا في عالم التجلّي فكيف يدرك بالتملّي . ولعل الأستاذ رضي اللّه عنه أشار بهذا المعنى إلى ما نقل عن الصديق الأكبر رضي اللّه عنه كل ما خطر ببالك ، فاللّه من وراء ذلك . ومن ألطف العبارات قول الشيخ أبي الفضل أحمد بن عطاء اللّه الإسكندري رضي اللّه عنه : ما أرادت همّة سالك أن تقف عندما كشف لها إلا نادته هواتف الحقيقة الذي تطلبه أمامك ، ولا تبرّجت ظواهر المكوّنات إلا نادتك حقائقها إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [ البقرة : الآية 102 ] . فإن قلت الأستاذ قال قصدي وراكا ، صاحب الحكم يقول الذي تطلبه أمامك فكيف تستشهد بأمامك لقوله وراك . قلت : قد نصّ صاحب القاموس على أن وراء ضدّ يكون بمعنى خلف وبمعنى قدّام ، أو بمعنى ما توارى عنك فيشملهما ، فصحّ الاستشهاد لذلك . قوله « لي حبيب » من تتمة مقول ، فقلت قصدي وراكا . وكذا بقية الأبيات إلى آخر القصيدة مقول قول الأستاذ . فقلت : قصدي وراكا . ومعنى البيت خطاب لحسن كل شيء تجلّى يقول له : لي حبيب أراك معنّى فيه فكيف تدعوني إلى أن أتملّى بك وأنت معنّى واقع في محبة حبيبي . ثم ترى وقال : بل حسن كل شيء تجلى ، معنى من معاني حبيبي فكيف أخصّه بالميل والحال أنه وصف من بعض أوصاف حبيبي ومظهر من مظاهره . وقوله « غرّ غيري » : جملة معترضة بين جزأي المقول ، أي غرّ غيري لينظر إليك ويقبل بالمحبة عليك .