الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
323
شرح ديوان ابن الفارض
الجناس التام بين جرى بمعنى سال وجرى بمعنى صدر ، وقلب الكلمات في قوله : قد كفى ما جرى ، فهل جرى ما كفى . فأجر من قلاك فيك معنّى قبل أن يعرف الهوى يهواكا [ الاعراب ] أجر : هنا فعل دعاء . و « من قلاك » : متعلق به ، والقلى البغض ، ومنه ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ( 3 ) [ الضّحى : الآية 3 ] وإنما طلب الإجارة من القلى فقط إشارة إلى أن القلى أمر لا صبر له عليه فإن أهل المعرفة دائما يطلبون من الحبيب أن يفعل بهم ما رام غير القلى . ومن ذلك قوله رضي اللّه تعالى عنه : وما الصدّ إلا الودّ ما لم يكن قلى * وأصعب شيء غير إعراضكم سهل ومعنى مفعول أجر ، أي أجر معنى فيك ، أي مغرما تعبا شقيّا فيك وبسببك . وقوله : « قبل أن يعرف الهوى يهواكا » : هنا في يعرف احتمالان : أحدهما : أن يروى يعرف بالبناء للمجهول أو يعرف بالبناء للفاعل . وقوله « يهواكا » يحتمل أن يكون مضارعا للفاعل أيضا ويحتمل أن يكون يهواكا بالباء التي هي للجر ، ويكون متعلقا بمعنى أي معنى بهواك قبل أن يعرف الهوى فينحل على أربعة أوجه : أي أجر محبّا معنّى بهواك قبل أن يعرف هو الهوى ، أو قبل أن تحصل معرفة للهوى من أحد ، أو أجر محبّا معنّى فيك هو يهواك ويحبك قبل أن يعرف هو الهوى . أو قبل أن يعرف عارف الهوى وقبل أن يحصل له من أحد معرفة . وفي البيت جناس التصحيف بين فيك وقبل ، وجناس الاشتقاق بين الهوى ويهواكا . [ المعنى ] ( ن ) : قوله قبل أن يعرف الهوى يهواك ، أي هو يحبك من حين خرج من بطن أمه . قال تعالى : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً [ النّحل : الآية 78 ] ومن حينئذ هو يحبك ظاهرا له بصورة ما يحبه من لبن أمه ومن كل ما يوافقه عن نغمة مربية المسكتة لصياحه واضطرابه وإن لم يعرف حقيقة ذلك فإن التجلّي العامّ بآثار الأسماء والصفات لا يتوقف على المعرفة وذلك هو الولادة على الفطرة ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « كل مولود يولد على فطرة الإسلام ، ولكن أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه » ، فالكفر طار على كل مولود من بني آدم لأنهم أولاد نبيّ فعصمتهم في الصغر ذاتية ما لم يبدلوها بوسواس الشيطان الذي قال كما حكى اللّه تعالى عنه بقوله : وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ [ النّساء : الآية 119 ] وخلق اللّه هي الفطرة التي فطر الناس عليها . اه . هبك أنّ اللّاحي نهاه بجهل عنك قل لّي عن وصله من نهاكا وإلى عشقك الجمال دعاه فإلى هجره ترى من دعاكا