الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

300

شرح ديوان ابن الفارض

السلاطين عزّ وجلّ . ومعنى قوله « ولمحنتي » الخ . . . أنني معاد لنفسي في محبته كما ورد عاد نفسك فإنها انتصبت لمعاداتي ولأجل هذا الأمر الذي هو محنة لي واختبار وابتلاء من الحق تعالى لا أشتفي من نفسي بأدنى من إهلاكها وإفنائها في محبة ربّي عزّ وجلّ . اه . وهواه وهو أليّتي وكفى به قسما أكاد أجلّه كالمصحف لو قال تيها قف على جمر الغضى لوقفت ممتثلا ولم أتوقّف أو كان من يرضى بخدّي موطئا لوضعته أرضا ولم أستنكف [ الاعراب ] قوله وهواه : قسم ومقسم به ، أي أقسم بهواه . وجملة قوله لو قال تيها إلى آخر البيت من الشرط ، وجوابه جواب القسم ، يعني أقسم بهواه على أنه لو قال لي تيها أي لا لغرض ولا لسبب ظاهر ولا لحكمة عقلية قف على جمر الغضى الذي لا تنطفي ناره لوقفت ممتثلا أمره من غير مخالفة . وجملة قوله وهو أليتي ، وقوله وكفى به قسما : جملتان معترضتان بين القسم وجوابه . وأما قوله أكاد أجلّه كالمصحف : فهي جملة في موضع نصب على أنها صفة قوله قسما ، يعني وصل هواه في العظم إلى أنني قاربت أن أجلّه كإجلال المصحف ولذلك أقسم به . وقوله أو كان من يرضي بخدّي موطئا إلى آخر البيت عطف على البيت المتقدّم ، وحاصل الأبيات الثلاثة أنه يقول أقسم بهواه العظيم الذي لا ألية لي سواه ، ويكفيني في صدق كلامي أن أحلف به لو قال لي تيها وتكبّرا منه لا لسبب عقلي ولا لغرض مرعي قف على جمر الغضى المعلوم جمره المفهوم حرّه لوقفت لمجرّد امتثال أمره من غير توقّف مني ولا تخلّف بل لو كان يرضى بخدّي أن يكون موطئا لنعاله لوضعت خدي أرضا يدوم وطؤه عليها من غير استنكاف ولا خلف ولا إخلاف لأن ذلك نهاية شرفي وغاية تنعّمي وترفي . وإنما جمعنا الأبيات الثلاثة وتكلمنا عليها جملة لتعلّق بعضها ببعض وفيها من البديع المبالغة كما ترى . وفي البيت الأول المقاربة في اللفظ بين هواه وهو ، وفيها جناس الاشتقاق بين وقفت وأتوقف ، وفيها جناس شبه الاشتقاق بين يرضى وأرض ، وأما الانسجام فهو موجود في جميع الأبيات الثلاثة بل في جميع شعره رضي اللّه عنه . ( ن ) : الضمير في هواه للمحبوب الحقيقي . وقوله هو أليتي ، أي هو حلفي . وقوله وكفى به ، أي بهواه . وقسما تمييز . وقوله أجلّه ، أي أجلّ هواه بمعنى أعظمه وإنما يكاد يعظّمه كالمصحف ، لأن المحبة الإلهية التي في العبد نزول المحبة الإلهية التي في الرب كما قال تعالى : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : الآية 54 ] فلولا يحبهم ما