الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

294

شرح ديوان ابن الفارض

ومن عادته رضي اللّه عنه أنه يتلاعب بالمعاني في قوالب متغايرة ويكسوها حللا فاخرة . ولغة البيتين ظاهرة . الإعراب : فاعل أخفاني يعود إلى الحب ، يعني أخفيته فأسقمني حتى صرت من السقم خافيا عن العيون لأن إظهار الحب يوجب فرح النفس وسرورها ، وكتمه يوجب سقم الأبدان ونحولها فصدق أن إخفائي له يوجب أنه يخفيني . وقوله أسى : يجوز أن يكون مفعولا لأجله فإن قلت إذا كان الفاعل الحب فكيف يجوز أن يكون الأسى مفعولا لأجله ولم يتّحد الفاعل ، وقد شرط الجمهور اتحاده ، والجواب أن الشيخ رضي اللّه عنه جوّز عدم التّشارك في الفاعل مستدلّا بما في نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين عليّ رضي اللّه عنه ، فأعطاه اللّه النظرة استحقاقا للسخطة واستضماما للبليّة ، والمستحق للسخطة إبليس والمعطي للنظرة هو اللّه تعالى . ويجوز أن يكون الفاعل أسى ، أي أخفيت حبّكم فأخفاني الحزن الناشئ عن الحب . ويجوز أن يكون الفاعل ضمير الحب ، وأسى : منصوبا على التمييز ، أي أخفاني الحب من جهة الأسى لأن الحب له جهات متعددة فينشأ عنه الحزن والفرح والسهر والهجر والبعد والصّدّ وغير ذلك . فكأنه لمّا قال أخفاني الحب ، سأله سائل وقال : من أيّ جهة أخفاك الحب ؟ فقال : من جهة الأسى . وحتى : ابتدائية . ولعمري : بفتح العين قسم وخبره محذوف ، أي قسمي . وكدت : اسمها التاء . وجملة اختفى : خبرها . وعني : متعلق بأختفي . قوله وكتمته : أي الحب عني ، أي عن علمي بحيث أنني أودعته حيث لا تشعر أسباب علمي فلو فرض أنني أبديته لوجدته عند الإبداء أخفى من اللطف الخفي ، والحال أن اللطف الخفي هو التوفيق الذي يخلقه اللّه في العبد من حيث لا يشعر . وهذه مبالغة تامّة لأنه يقول مرتبة إظهاره أن يكون أخفى من اللطف الخفي ، فما بالك بمرتبة إخفائه وليس وراء هذا مبالغة . ( ن ) : قال المتنبي : أبلى الهوى أسفا يوم النّوى بدني * وفرّق الحب بين الجفن والوسن جسم تردّد في مثل الخيال إذا * أطارت الريح عنه الثوب لم يبن كفى بجسمي نحولا أنني رجل * لولا مخاطبتي إياك لم ترني وقوله عني أختفي : إشارة إلى الفناء باللّه فإنه تعالى إذا ظهر للعارف المحقّق أخفاه عن نفسه فلا يجد غيره تعالى . اه . ولقد أقول لمن تحرّش بالهوى عرّضت نفسك للبلا فاستهدف أنت القتيل بأيّ من أحببته فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي