الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

291

شرح ديوان ابن الفارض

ولذلك ترى المحبّين لا يشكون داءهم إلى الطبيب . قلت : ومن شواهد الرجوع قول المتنبي : دمع جرى فقضى في الربع ما وجبا * لأهله فشفى أنى ولا كربا قوله : فشفى أنى ولا كربا ، أنى : بمعنى كيف ، وهي هنا للاستفهام الإنكاري ، وقوله : ولا كربا ، أي ولا قارب وأنّى ولا كربا رجوع عن قوله فقضى في الربع ما وجب لأهله أو رجوع عن قوله فشفى فإن كلّا منهما مما يرجع عن المحبوب فتأمّل . ( ن ) : ابتدأ في أن يترجّى انطفاء حرارة شوقه إلى الحق تعالى ببثّ العلوم الإلهية التي تثيرها الروح الآمرية المنفوخة في جسده السويّ حيث تأتيه بالأخبار الربّانية من الحضرة الرحمانية . ثم قال : وأتمنى أن لا تنطفي تلك النار لعلمه بعدم إمكان اجتماع الحق والباطل فإن المخلوق باطل والحق حق . قال تعالى : جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [ الإسراء : الآية 81 ] . اه . يا أهل ودّي أنتم أملي ومن ناداكم يا أهل ودّي قد كفي [ الاعراب ] « يا أهل ودّي » : أي يا من ودّي ومحبتي لهم فهم أهله ومحله . وقوله « أنتم أملي » : أي أنتم رجائي ومطلوبي من الدنيا لا غيركم لأن تعريف الطرفين يؤذن بالقصر . وأما قوله « ومن ناداكم يا أهل ودّي » : فمعناه وكلّ من ناداكم واستند إليكم فقد كفاه اللّه تعالى جميع المهمات ودفع عنه سائر الملمّات . وقوله : يا أهل ودّي ، بعد قوله : ومن ناداكم ، فيه لطيفة لأنه يحتمل أن يكون نداء ثانيا مفيدا لتأكيد التضرّع والتخضّع ، ويحتمل أن يكون تفسيرا للنداء الواقع في قوله : ومن ناداكم ، أي ومن ناداكم بقوله يا أهل ودّي قد كفى . وفي البيت ردّ العجز على الصدر بقوله : يا أهل ودّي ويا أهل ودّي . ومن : مبتدأ . وجملة قد كفى : خبره ، ونائب الفاعل في كفي هو الرابط بين المبتدأ وخبره . [ المعنى ] ( ن ) : قوله يا أهل ودّي : كناية عن الحضرات الإلهية والتجليات الربانية الظاهرة بصور الأعيان الكونية . وقوله : أنتم أملي ، أي ما أؤمّله في الدنيا والآخرة . اه . عودوا لما كنتم عليه من الوفا كرما فإنّي ذلك الخلّ الوفي [ المعنى ] يخاطب أهل ودّه بأن يعودوا إلى ما عوّدوه من الوفاء . وأشار إلى أنه باق على خلّته ووفائه فلا بدع في أن يطلب منهم أن يستمرّوا على عادتهم معه من الوفاء . وقوله كرما : منصوب على أنه مفعول لأجله لعودوا ، يعني عودوا كرما ولطفا لا جبرا