الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
281
شرح ديوان ابن الفارض
والمعنى : عقلي يخبرني دائما ووقتا بعد وقت أنك آخذي إلى دار الفناء ، ومع ذلك فأنا قد اخترت الفناء لعل روحي تكون فداء لك وعوضا عنك في مقام الفناء ، ولست طالبا على هذا الفداء جزاء لأنه لمجرّد المحبة ومحض المودّة لا لغرض ولا عوض . ( ن ) : قوله « قلبي » يعني لا نفسي ، لأن القلب لا يكذب والنفس لا تصدق . وقوله « يحدّثني » أي يأتي الحديث من قلبي إلى نفسي ، والقلب من أمر اللّه لأنه روحاني ، فحديث القلب حديث ربّاني وحديث النفس حديث شيطاني ، وقد أشرنا إلى الفرق بين القلوب والنفوس بقولنا في مطلع قصيدة : قلوب متى منه خلت فنفوس * لأحرف وسواس اللعين طروس وإن ملئت منه ومن نور ذكره * فتلك بدور أشرقت وشموس وقوله « بأنك » الخطاب للمحبوب الحقيقي وهو الحقّ تعالى المتجلّي بالوجود على كل شيء أراده من معلوماته . وقوله « متلفي » أي مهلكي ، قال تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : الآية 88 ] أي إلا وجوده الحق . وقوله « روحي فداك » يعني كونك متلفي ومعدمي بظهور وجودك الحق لي أمر يسرّني وهو مطلوبي ومرغوبي . قال الشاعر : أنت تبقى والفناء لنا * فإذا أفنيتنا فكن ثم قال « عرفت » بفتح التاء ، خطاب من المعدوم الفاني للوجود الحقّ الظاهر له في صورته العدمية الفانية ، يعني اتصفت بالمعرفة العدمية الفانية من حيث ظهورك بي بعد فنائي عن وجودك الحقّ الذي كنت أدّعي بأنه وجودي ، ثم خرجت عنه وعلمت أنه وجودك الحق . وقوله « أم لم تعرف » من هذه الحيثية المذكورة فإنك ظاهر فيها بصورة من يعرف وصورة من لم يعرف بل بصورة قادر وصورة عاجز إلى غير ذلك من النقص والكمال ، فإن الحق تعالى له مرتبتان مرتبة الغيب ومرتبة الشهادة ومرتبة الباطن ومرتبة الظاهر ومرتبة الأوّل ومرتبة الآخر ومرتبة التنزيل ومرتبة التنزّل . قال تعالى : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ [ الحديد : الآية 3 ] ففي مرتبة الغيب والباطن والأوّل والتنزّه لا يعرف ولا يوصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان نبيّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأما في مرتبة الشهادة والظاهر والآخر والتنزّل فهو موصوف بجميع ما اتصف به هو في شهادته وظهوره وآخريته وتنزّله على الإطلاق . وقوله « عرفت أم لم تعرف » يعني عرفت أنك متلفي بظهورك في صورتي بعد زوال الإنسان الموهوم الذي