الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

277

شرح ديوان ابن الفارض

طيبة وأن لا عزّة لي بعد عزة . وفي البيت جناس شبه الاشتقاق بين طيبة وتطيب ، وجناس التحريف بين عزّة وعزّة . ( ن ) : يعني أن المحبوبة التي عزّ لقاؤها لما كرهت أن تعمل إلا امتناعا عنّا وزيادة نفور لعظمتها وكبريائها وتفرّدها في جلالها وكره دارها إلا البعد عنّا لأنّا آثارها ، وأشار بدارها إلى حظيرتها النزيهة ، ورتبتها السامية كناية عن حضرة أسمائها وصفاتها ، وبخل الدهر منها برجوع إلى مثل تجلّيها الأول الذي به أوجدتنا من عدمنا تيقنت أي تحقّقت أن لا دار من بعد طيبة . وطيبة هي مدينة الرسول صلى اللّه عليه وسلم . والدار من الدوران ، يعني لا تدور الأمور إلا عليها فإنها دائرة محمدية تدور عليها جميع الدوائر الكونية ، وقوله تطيب ، أي تلذّ تلك الدار لمن دار عليها وسكنها فدارت به محيطة له . وعزّة في آخر البيت كناية عن المحبوبة التي أشار إليها في هذه الأبيات . قال الشيخ عملت هذه الآبيات بعد ما فرغت من القصيدة التي تليها ، وهي نظم السلوك ، فمن أراد أن يصلها بها فليقل . اه . سلام على تلك المعاهد من فتى على حفظ عهد العامريّة ما فتي ثم إنه لما تيقن أنه لا دار له بعد طيبة تطيب ، ولا عزّة توجد بعد الحبيب ، تقطّعت منه الأطماع وسلّم على معاهد الأحبّة سلام الوداع ، فقال : سلام مني على مستقر تلك المعاهد . و « المعاهد » جمع معهد : وهو المنزل المعهود به الشيء . والفتى : الشاب والسخي الكريم . والعهد : الموثق واليمين . و « العامرية » : الحبيبة المنسوبة إلى عامر القبيلة المعروفة . وقوله « ما فتي » : أي ما برح وما زال . الإعراب : سلام : مبتدأ . وعلى تلك المعاهد : خبر المبتدأ وجاز الابتداء بالنكرة إذ أصله سلامي . ومن فتى : متعلق بما تعلق به الخبر . وعلى حفظ عهد العامرية : خبر مقدّم لفتى ، واسمها ضمير يعود إلى فتى ، وتقديم الخبر على النافية ممتنع وكأنه جاز هنا للضرورة . والجملة من فتى واسمها وخبرها في محل جر على أنها صفة فتى . والمعنى : سلام مستقر على هاتيك المعاهد المعهودة من شاب ما زال مقيما على حفظ عهد الحبيبة العامرية . وفي البيت الجناس التام المحرّف بين فتى وفتي فإن الأول بفتح الفاء والتاء والثاني بفتح الفاء وكسر التاء ، وفيه جناس الاشتقاق بين المعاهد والعهد . اللّهمّ يا واجب الوجود ويا مفيض الخير والجود ارزقنا البقاء على حفظ العهود واسقنا من صفاء ذلك الحوض المورود فإنك وليّ من توجّه إليك وتوكّل