الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
243
شرح ديوان ابن الفارض
وفي البيت جناس شبه الاشتقاق بين هدى وأهدى ، والجناس التام بين العود والعود ، والجناس الناقص بين غنّت وأغنت ، واللّف والنشر المرتّب ، وأما الانسجام المقبول فذلك معنى يدركه أرباب الذوق بالعقول . ( ن ) : ذاك أي برق الأكوان ، وهذه أي ورق الروحانيات الكاملات . اه . أروم وقد طال المدى منك نظرة وكم من دماء دون مرماي طلّت [ الاعراب ] « أروم » : أطلب . و « المدى » : كفتى الغاية . و « دماء » : جمع دم . و « مرماي » : مكان الرّمي ، والمراد به مكان قصده وهو النظرة ، يقال في كلامهم فلان يعرف مرمى طرفه ، أي موضع نظره . وطلت على البناء للمجهول على الأكثر ، بمعنى هدرت ولم يؤخذ حقها . ونظرة مفعول أروم . وجملة وقد طال المدى معترضة بين الفعل ومفعوله . ومنك : متعلق بأروم . وكم : خبرية مبتدأ . ومن : زائدة . ودماء تمييز كم . ودون مرماي : متعلق بقوله طلّت . وجملة طلّت : خبر كم الخبرية . والمعنى : أروم وأتمنى منك نظرة حيث طال العهد بيني وبين تمنّيها ولكن كيف حصولها وقد هدرت قبل الوصول إليها دماء كثيرة ، فالمصراع الثاني يشبه الرجوع عن تمنّي النظرة . وما أحسن قوله رضي اللّه عنه في اليائية : كم قتيل من قبيل ماله * قوّد في حبّنا من كل حيّ وفي البيت جناس القلب بين مدى ودماء ، والجناس الناقص بين طال وطلت والرجوع إن كان مرادا . يحكى عنه رضي اللّه عنه أنه في احتضاره تمثّلت له الجنّة فنظر إليها وصرخ صرخة عظيمة وتأوّه وبكى وتغيّر لونه وأنشد : إن كان منزلتي في الحبّ عندكم * ما قد رأيت فقد ضيّعت أيامي أمنية ظفرت روحي بها زمنا * واليوم أحسبها أضغاث أحلام ثم قال ليس هذا المقام الذي كنت أطلبه وقضيت عمري في السلوك لأجله ، فسمع قائلا يقول : يا عمر فما تروم ؟ فقال : أروم وقد طال المدى منك نظرة * وكم من دماء دون مرماي طلت ثم تهلّل وجهه وتبسّم فعلم الحاضرون أنه فاز بمرامه .