الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
24
شرح ديوان ابن الفارض
فوثب الشيخ قائما واعتنقه وقال له : أعد ما قلت . فسكت الرجل شفقة منه عليه وسأله أن يرفق بنفسه وذكر له شيئا من حاله عند غلبة الوجد عليه فقال : إن ختم اللّه بغفرانه * فكلّ ما لاقيته سهل ) قلت : ولم يزل على هذا الحال من حين سمع كلام القصّار إلى أن توفي رحمة اللّه عليه . ذكر سبب رحلة الشيخ برهان الدين الجعبري سلام اللّه عليه من جعبر وهي قلعة على الفرات من بلاد الشرق استولى عليها رجل من بني نمير اسمه جعبر فنسبت إليه ( إلى زيارة شيخنا رضي اللّه عنه قال ) أي : ولد الشيخ عمر ( إنني كنت في مسجدي فورد على باطني انقباض من أوّل الليل إلى طلوع الفجر فصلّيت الصّبح فيه وخرجت منه عازما على زيارة ضريح الشيخ فجزت تحت مسجد الشيخ برهان الدين فسمعته يتكلم في ميعاده فطلعت إليه ودخلت المسجد فسمعته يقول هذا البيت من قصيدة شيخنا رضي اللّه عنه : فلم تهوني ما لم تكن فيّ فانيا * ولم تفن ما لم تجتلي فيك صورتي فلما رآني قال : لا إله إلا اللّه كنت أتكلم في معنى كلام الرجل فساق اللّه إليّ سرّه ) أي : ولده لأنه يقال الولد سرّ أبيه ( ثم أقبل عليّ ومرّ بيده المباركة على وجهي وصدري فشرح اللّه صدري وزال عنّي ما كنت أجده من الانقباض وأقمت زمانا أجد في باطني انشراحا وسرورا وشرع يتكلم في معنى البيت بكلام عجيب ونعت غريب ثم أخبرت بعد هذا الميعاد أن سبب ذكر هذا البيت في أوّل الميعاد أن الشيخ الجعبري رضي اللّه عنه قال : كنت في السّياحة بجعبر أو قال بالفرات وأنا أخاطب روحي بروحي وأناجيها بتلذّذي بفنائي في المحبة فمرّ بي رجل كالبرق وهو يقول : فلم تهوني ما لم تكن فيّ فانيا * ولم تفن ما لم تجتلي فيك صورتي فعلمت أن هذا نفس محبّ فوثبت إلى الرجل وتعلّقت به وقلت له : من أين لك هذا النّفس ؟ فقال : هذا نفس أخي الشيخ شرف الدين بن الفارض . فقلت له : وأين هذا الرجل ؟ فقال : كنت أجد نفسه من جانب الحجاز ، والآن أجد نفسه من جانب مصر وهو محتضر وقد أمرت بالتوجّه إليه وأن أحضر انتقاله إلى اللّه تعالى وأصلّي عليه وأنا ذاهب إليه . فلما التفت الرجل إلى جانب مصر التفت معه فشممت