الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

224

شرح ديوان ابن الفارض

المصوّر ، ولم أر مثل جمال المحبوبة الحقيقية لأن الحسن كله لها ، وكل الجمال منها . اه . هي البدر أوصافا وذاتي سماؤها سمت بي إليها همّتي حين همّت [ الاعراب ] « هي البدر » : تشبيه بليغ ، أو استعارة على اختلاف في المسألة . و « أوصافا » : نصب على التمييز ، أي هي مثل البدر من جهة الأوصاف ، فنسبة مشابهتها للبدر مبهمة فأوضحها التمييز لأن الأوصاف أنواع : فمنها السنا ، ومنها السناء ، ومنها الاستدارة ، ومنها شرف الموضع إلى غير ذلك ، ولمّا أثبت للحبيبة أوصاف البدر احتاج إلى أن يثبت له سماء إذ هي من لوازم البدر فجعل ذاته سماء له إشارة إلى كونه مركوزا في ذاته منطبعا فيها كانطباع صورة البدر في السماء . و « سمت » بمعنى ارتفعت . والباء في « بي » للملابسة على حدّ قوله تبارك وتعالى : فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا [ مريم : الآية 22 ] . وكقول أبي الطيّب أحمد بن الحسين المتنبي : كأن خيولنا كانت قديما * تسقى في قحوفهم الحليبا فمرّت غير نافرة عليهم * تدوس بنا الجماجم والتريبا والهاء في « إليها » للحبيبة المتكلّم عنها . و « همّت » : فعل ماض من الهمّ بالشيء وهو العزم على فعله ، ولا يحسن جعل الهاء في إليها للسماء لأنه قد جعل السماء ذاته فكيف تسمو به همّته إلى ذاته ، لكن له محمل صوفي لسنا بصدد بيانه . والمعنى : أن هذه الحبيبة بدر في أوصافه وذاتي في سماء له ، وقد رفعتني إلى هذا البدر بحيث صرت سماء له همتي حين عزمت على الترقّي إلى المراتب العليّة . وفي البيت الجناس المحرّف بين همّتي وهمت . ( ن ) : هي البدر التام في الظهور بالنور . وقوله أوصافا لأن للبدر أوصافا كثيرة : منها علوّه وارتفاعه ، ومنها كمال نورانيته ، ومنها أنه لا ينال لأحد من أهل الأرض ، ومنها أنه لا يضام أحد في رؤيته . قال صلى اللّه عليه وسلم : « إنكم سترون ربكم كما ترون البدر ، هل تضامون في رؤيته ؟ » الحديث . وفي رواية « كما ترون الشمس » . ولنا في هذا المعنى من مطلع قصيدة : يا طلعة الشمس أو يا طلعة القمر * تختال في حلل الأشباح والصور وقوله وذاتي سماؤها من قوله عليه السلام : « ووسعني قلب عبدي المؤمن » وهو وسع معرفة لا وسع إحاطة . وقوله سمت بي إليها الخ . . . يعني ارتفعت همّتي ، أي باعث قلبي إلى تلك المحبوبة الحقيقية . اه .