الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

202

شرح ديوان ابن الفارض

ذكره في توجيه هذا المقام ، وثم وجوه أخر بعيدة عن المرام واللّه تعالى أعلم بأسرار الكلام . ( ن ) : قوله من اغداده كناية عن ظهور نفسه له وظهور صفاتها على جسمه من التكبّر والعجب ونحو ذلك ، وقوله اغذاذا كناية عن رؤية ما تقتضيه صفات نفسه من الأحوال فهو في مجاهدة شديدة مع نفسه وهذه كلها أوصاف الشجي الذي مضى الكلام عليه في قوله لم ترقب الرقباء إلا في شج إلى آخره . اه . أبدى حداد كآبة لعزاه إذ مات الصّبا في فوده جذّاذا [ الاعراب ] « أبدى » : أظهر . والحداد في الأصل ترك الزينة للعدّة ، والمراد به إظهار أمارات الحزن والكآبة لموت الصبا على سبيل التشبيه . والكآبة : الغمّ وسوء الحال . والعزاء : الصبر . وإذ : تحتمل التعليل والظرفية وعليهما فهي متعلقة بأبدى على القول بأن التعليلية اسم وإلا فتعلّق معنى فيها . والمراد من الصبا هذا ما يدلّ على التشبيه من اسوداد الشعر بدليل قوله في فوده . والفود بفتح الفاء جانب الرأس . والجذاذ : صيغة مبالغة من جذ بجيم وذال معجمة بمعنى قطع ، وفاعل أبدى يعود إلى ما سبق . وحداد كآبة : مفعوله ، واللام متعلقة بأبدى ، وهي للتعليل . وفي فوده : متعلق بمات . وقوله جذاذا : حال من الصبا ، أي أبدى حداد غمّ حين مات الصبا قطاعا بموته للذّاته ، وما أحسن قول المتنبي : ولقد بكيت على الشباب ولمّتي * مسودّة ولماء وجهي رونق حذرا عليه قبل يوم فراقه * حتى لكدت بماء وجهي أغرق [ المعنى ] ( ن ) : يقول أظهر حداد الكآبة في رأسه لأجل تعزيته وتصبّره حيث مات الصبا قطاعا للذائذه وشهواته وظهور الحداد في رأسه هو شيب شعره كناية عن لبس البياض الذي كان علامة الحداد في اصطلاح أهل الأندلس عوض السواد حتى قال شاعرهم : قد كنت لا أدري لأيّة علّة * صار البياض لباس كل مصاب حتى كساني الدهر بحق ملاءة * بيضاء من شيب لفقد شبابي ولأبي الحسن علي بن عبد اللّه الحصري : إذا كان البياض لباس حزن * بأندلس فذاك من الصواب ألم ترني لبست بياض شيبي * لأني قد حزنت على الشباب وكنّى بحداد الكآبة عن ظهور نور الوجود له في مشاعره ومداركه . اه .