الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
188
شرح ديوان ابن الفارض
الحجاب على غير الأحباب ، لأنه أي المحبوب الحقيقي كان معاذا ومحفوظا من لثم العذار ، أي تقبيل الشعر النابت على الخدّين كناية عمّا يشعر بوجهه الكريم من الحجب الروحانية النورانية لكمال علوّه وفرط تنزّهه عن إدراك الأبصار والبصائر . اه . ولنا بخيف منى عريب دونهم حتف المنى عادى لصبّ عاذا [ الاعراب ] الخيف : ما انحدر عن غلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء ومنه سمّي مسجد الخيف بمنى . و « منى » بكسر الميم مقصور : موضع بمكة وهو مذكر يصرف ، وقد امتنى القوم إذا أتوا منى عن يونس . وقال ابن الأعرابي : أمنى القوم أتوا منى . والعريب تصغير العرب ، والتصغير للتعظيم . ودون نقيض فوق وهو تقصير عن الغاية وتكون ظرفا . قال المحقّق التفتازاني : ومعنى دون في الأصل أدنى مكان من الشيء ، يقال هذا دون ذاك إذا كان أحطّ منه قليلا ، ثم استعير للتفاوت في الأحوال والرّتب ، فقيل : زيد دون عمرو في الشرف ، ثم اتّسع في كل تجاوز إلى حدّ ، وتخطّى حكم إلى حكم . والحتف بحاء مهملة ثم تاء مثناة من فوق الموت ، ومات حتف أنفه وحتف فيه على قلة ، وحتف أنفه على فراشه من غير قتل ولا ضرب وخصّ الأنف لأنه أراد أن روحه تخرج من أنفه بتتابع نفسه أو لأنهم كانوا يتخيلون أن المريض تخرج روحه من أنفه ، والجريح من جراحته . و « المنى » بفتح الميم : الموت وقدر اللّه ، والقصد ينبغي أن يكون المراد المعنى الأوسط ، وإن روي المنى بضم الميم كان جمع منية وهي البغية والطّلبة . ويروى الحيف بالحاء المهملة والياء المثناة من تحت بمعنى الجور والظلم . و « عادى » : فعل ماض على وزن فاعل من المعاداة والمادّة العداوة . والصّبّ : العاشق المشتاق . وعاذ على وزن فعل والألف للإطلاق ، وأصله عوذ كقام أصله قوم ، ومعنى عاذ به لجأ إليه ، والواو للاستئناف . ولنا : خبر مقدّم . وعريب : مبتدأ مؤخر ، والجملة صفة لعريب ، وفاعل عادى ضمير يعود إلى حتف المنى . ولصبّ : متعلق بقوله عادى ، وفاعل عاذ يعود للصب ، وجملة عاذ من الفعل والفاعل صفة لصبّ ، والمتعلق بعاذ محذوف ، أي عاذ بهم ، وجملة عادى لصب عاذا : خبر آخر لحتف المنى . والمعنى : لنا عريب عظيمون استقروا في خيف المنى لكنهم موصوفون بأن موت القدر استقرّ قبل الوصول إليهم فلذلك الموت يعادي كل صبّ عاذ بهم والتجأ إليهم . وفي البيت جناس التصحيف بين خيف وحتف ، وجناس التحريف بين منى ومنى ، وجناس التصحيف بين عادى وعاذا .