الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
179
شرح ديوان ابن الفارض
( ن ) : قوله نشر الصبا كناية عن الروح الأمري من قوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : الآية 85 ] الآية ، وهو الروح الأعظم بمنزلة الرائحة الفائحة من المسك ونحوه تنقّل رائحة الأمر الإلهي إلى جميع الأكوان . وقد أضاف النشر إلى الصبا وهو ألطف الرياح التي تهب وقت الصباح ، والصبا كناية عن الأرواح الجزئية المدبّرة للأجسام الإنسانية . والترافة هنا كناية عن كمال إطلاقه وتنزّهه وجبروته سبحانه . وقوله التقمّص ، أي لبس القميص وهو الصورة ، والمعنى أنه من كمال نزاهته وإطلاقه امتنع عليه أن يلبس الصور اللطيفة فضلا عن الكثيفة وإن كان متجلببا بها وظاهرا بتصويرها من اسمه المصوّر . اه . وشكت بضاضة خدّه من ورده وحكت فظاظة قلبه الفولاذا [ الاعراب ] البضاضة : رقّة الجلد مع امتلائه . والمراد من ورد الخد حمرته مع لطف رائحته ونعومة مجسّه فهو استعارة مصرّحة . والفظاظة : الغلظة . والفولاذ : خالص الحديد . وإعراب البيت واضح . والمعنى : شكت رقّة جلد خدّه من ورده مع أن الورد هنا عبارة عن أمور غير مجسّمة ، وهذا غاية في الوصف واللطافة ، وشابهت غلظة قلبه الفولاذ وهو غاية في الشدة ، وقال ابن النبيه من قصيدة : ترتجّ كالجدول من رقّة * وقلبها أقسى من الجلد وقال الآخر : يا قلبه القاسي ورقّة خدّه * هلّا نقلت إلى هنا من ههنا وقال ابن النبيه أيضا : أجسامها كالماء إلا أنها * حملت قلوبا من صفا الجلمود وقال بعضهم : ولقد شكوت لمتلفي * حالي ولطفت العبارة فكأنني أشكو إلى * حجر وإن من الحجارة وفي البيت الجناس اللاحق بين شكت وحكت ، والموازنة مع مقاربة اللفظ بين بضاضة وفظاظة ، وتأمّل حسن تجنيس الأبيات الأربعة بلفظ لاذا من غير تكلّف مع لطف المعنى إلا أنه في البيت الأخير وقع جزء كلمة فتأمل .