الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

160

شرح ديوان ابن الفارض

حاضر يعلمه ويعلم ما تضمنّه من الأمور ، وجيرته كناية عن أهل طريق اللّه من العارفين . اه . ذهب العمر ضياعا وانقضى باطلا إن لم أفز منك بشيّ [ الاعراب ] هذا البيت ظاهر ومراده أن يتأسف على ما فات من عمره ضياعا حيث لم يجد من ذاهبه انتفاعا ، ويتحسّر على انقضائه باطلا حيث لم يدرك منه نفعا ولا طائلا ، لكن قيّد ذهابه ضياعا وانقضاءه باطلا بما إذا لم يفز من مراده بالمراد ولم يجد من قبله نوعا من الإسعاف والإسعاد . فأما إذا فاز منه بحظ ولو كان قليلا فإنه يكون معدودا ممّن حاز سعدا جليلا ، وعيشا جميلا ، وما أحسن قول القائل : لئن كان هذا الدمع يجري صبابة * على غير ليلي فهو دمع مضيع وما أحسن قول من قال : قليل منك يكفيني ولكن * قليلك لا يقال له قليل وقال في مثل ذلك ابن النبيه : قليل الوصل يكفينا فإن لم * يصبنا وابل منكم فطلّ وجواب الشرط محذوف دلّ عليه ما قبله ، أي إن لم أفز منكم بشيء فقد ذهب عمري ضياعا وانقضى باطلا . ولكن إن ساعدت الآمال وسعدت منكم الأيام واللّيال فإني ناعم البال فاقد البلبال والحمد للّه على كل حال . وفي البيت لطف المناسبة بين الذهاب والضّياع والانقضاء والبطلان . وأصل « شيّ » أن يكون بياء وهمزة ثم قلبت الهمزة ياء وأدغمت الياء في الياء فصار شيّ . [ المعنى ] ( ن ) : يندب حاله بأن عمره انقضى باطلا حيث لم يفز من معرفة ربّه بشيء يدركه منه ، والأمر كذلك فإن غاية ما يحصل عليه العارف بربّه يحصل على معرفة نفسه ويكشف له عن فنائها وفناء العوالم كلها في وجود الحق القديم ولا يكشف له عن وجود الحق القيّوم ما هو فيتحقّق به ولا يفوز منه بشيء إذ كل شيء هالك إلا وجهه فلا شيء معه حتى يفوز منه بذلك الشيء . اه . غير ما أوليت من عقدي ولا عترة المبعوث حقّا من قصيّ قوله « غير ما أوليت » : استثناء منقطع من قوله ذهب العمر ضياعا وانقضى باطلا ، أي لم أر في عمري نفعا غير الذي أولانيه اللّه تعالى من عقدي ولاء عترة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو المبعوث حقّا من قصي . و « أوليت » : ماض مجهول من أولى الذي