الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
16
شرح ديوان ابن الفارض
رجل وسمّاه فأنسيت اسمه وكان من أكابر علماء أهل زمانه واستأذنه في شرح القصيدة نظم السلوك ، فقال له : في كم مجلد تشرحها ؟ فقال : في مجلدين ، فتبسّم الشيخ رضي اللّه عنه وقال : لو شئت لشرحت كل بيت منها في مجلدين . قال ولده رحمه اللّه : كان الشيخ رضي اللّه عنه في غالب أوقاته لا يزال دهشا وبصره شاخصا لا يسمع من يكلّمه ولا يراه فتارة يكون واقفا ، وتارة يكون قاعدا ، وتارة يكون مضطجعا على جنبه ، وتارة يكون مستلقيا على ظهره مسجّى ) مغطّى ( كالميت ويمرّ عليه عشرة أيام متواصلة وأقلّ من ذلك وأكثر وهو على هذه الحالة ولا يأكل ولا يشرب ولا يتكلم ولا يتحرّك فهو كما قيل : ترى المحبّين صرعى في ديارهم * كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا واللّه لو حلف العشّاق أنهم * صرعى من الحبّ أو موتى لما حنثوا قال : ) أي : قال ولده ( ثم يستفيق وينبعث من هذه الغيبة ويكون أول كلامه أنه يملي من القصيدة نظم السلوك ما فتح اللّه عليه . قلت : ) أي : قال جامع هذا الديوان : ( ثم طالعت في مجموع بخط رجل فاضل فرأيت من جملته القصيدة التائيّة الكبيرة ورأيت قبلها ترجمة هذه صورتها : قال الشيخ المحقّق شرف الدين عمر بن الفارض السعدي نوّر اللّه مضجعه هذه القصيدة الغرّاء والفريدة الزهراء التي لم ينسج على منوالها ولا سمح خاطر بمثالها وتكاد تخرج عن طوق وسع البشر ألفاظا ومعاني ، وكان سمّاها أولا أنفاس الجنان ونفائس ) جمع نفيس ( الجنان ثم سمّاها لوائح الجنان وروائح الجنان ، وروائح الجنان ، ثم رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم في المنام وقال له : « سمّها نظم السلوك » فسمّاها بذلك . ثم حكى جماعة يوثق بهم ممّن صحبوه وباطنوه أنه لم ينظمها على حدّ نظم الشعراء أشعارهم بل كانت تحصل له جذبات يغيب فيها عن حواسّه نحو الأسبوع والعشرة أيام فإذا أفاق أملى ما فتح اللّه عليه منها من الثلاثين والأربعين والخمسين بيتا ثم يدع حتى يعاوده ذلك الحال ومن تأمّلها حقّ التأمّل علم أن بها نبأ عظيما صانها اللّه عن غير أهلها ثم كتب القصيدة بعد هذه الترجمة ، ويحكى أنه لمّا فوّض أمر الوزارة إلى قاضي القضاة تقي الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعزّ رحمه اللّه في أيام السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي رحمه اللّه وقع في حق الشيخ شمس الدين الأيكي ) أي ذمّه وسبّه ( في مجلس حافل بالخانقاه الصالحية ) في مصر ( وقال له : أنت تأمر الصوفية بالاشتغال بنظم السلوك قصيدة ابن الفارض وهو يميل