الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

155

شرح ديوان ابن الفارض

والمعنى : وحفظ اللّه أوقاتا كانت في مكان معهود قد لازمت فيه البكاء حتى نبت من ماء أجفاني أزهار لطيفة زيّنت ربا ذلك المنزل المعهود فكأنها عقد نظيم وحلي جسيم . وفي البيت جناس شبه الاشتقاق بين معهد وعهد ، وفيه المناسبة بذكر الجيد والعقد والحليّ . ويقرب معنى هذا البيت من قول المتنبي : وتضحى الحصون المشمخرّات بالذّرا * وخيلك في أعناقهنّ قلائد وقول القاضي أبي بكر ناصح الدين الأرجاني : ما زال ينظمهنّ في سلك البرى * حتى توسّطهنّ بطن الوادي ( ن ) : معهد بالجرّ بدل من واد وهو معهد باعتبار سكناه المعهود ، وما يعهد فيه ساكنه من التوجّهات الربّانية وهو وادي باعتبار انصباب غيوث الفيض وسيول الإمداد إليه النّازلة من سماوات الغيوب الأسمائية ، وحضرات التجلّيات الإلهية . وقوله من عهد أجفاني كناية عن البكاء بسيلان الدموع منها وهي حجب العين وهي من العين ، والبكاء من الفرقة بالحجاب . وكنى بالأزهار عن الأحوال التي ينتجها له ذلك البكاء من الذلّ والانكسار والشكر والثّناء الجميل . اه . كم غدير غادر الدّمع به أهله غير أولي حاج لريّ « كم » : تكثيريّة . و « غدير » بالجر مجرور بمن المقدّرة ، أو بالإضافة على أحد القولين . و « غادر » : ترك . و « الدمع » : ما سال من العين فإن كان عن حزن فهو سخن ، وإن كان عن فرح فهو بارد . ومن ثم يقال أسخن اللّه عين زيد ، أي أبكاه بكاء ناشئا عن حزن ، فهو دعاء عليه . ويقال أقرّ اللّه عينه ، أي أبردها ، مأخوذ من القرّ وهو البرودة ، ومنه العين القريرة . و « به » متعلق بغادر ، والباء للسببية . و « أهله » : أي أهل الغدير . و « أولي » بمعنى أصحاب فيعرب إعراب جمع المذكر . والحاج جمع حاجة كالسّاع جمع ساعة . والريّ : الارتواء من العطش ، يقال فلان عنده ارتواء ، أي ليس له عطش . الإعراب : كم : في محل رفع على الابتداء . وغدير : بالجر تمييزها . وغادر : فعل ماض . والدمع بالرفع فاعله . وبه : متعلق بغادر . وأهله : مفعول أول لغادر . وغير : بالنصب مفعول ثان له . وأولي : مضاف إليه مجرور بالياء إلحاقا له بحكم جمع المذكر السالم . ولريّ : متعلق بحاج باعتبار ما فيه من معنى الاحتياج . وجملة غادر الدمع به إلى آخره في محل رفع على أنها خبر المبتدأ .