الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
137
شرح ديوان ابن الفارض
عن عالم الهياكل الطيبة الطاهرة والأجسام الزكيّة بالأخلاق الفاضلة الزاهرة ، يعنى أن أرواح الصّبا متى ما عبرت أي جازت ومرّت على هذه الهياكل الطاهرة عبّرت أي أخبرت عن أسرار ميّة وأميّة وهما كناية عن حضرة الذات الإلهية وحضرة الأسماء الربانية ، يعني لا يكون منها التعبير عن ذلك إلا بعد هبوطها إلى هياكلها الطبيعية فإنها ما أدركت الكمال في عالم الكثافة وهو عين حقيقة اللطافة . قال الشيخ الأكبر قدّس اللّه سرّه : ولا فخر إلا في الجسوم وكونها * مولدة الأرواح ناهيك من فخر اه . ما حديثي بحديث كم سرت فأسرّت لنبيّ من نبيّ « ما » : نافية . والحديث : الكلام والقصة والخبر . والحديث الثاني مقابل القديم فهو بمعنى الجديد . و « كم » : خبرية ، ومميزها محذوف ، أي كم مرة بالجرّ . « سرت » : من سرى الليل . وقوله « فأسرت » : من السّرّ خلاف الجهر . وقوله « لنبي » : المراد منه النبي الذي أوحى اللّه إليه ، وهو من النبأ مهموز مخفّف ، أو من النبوة مقلوب مدغم . و « من نبيّ » ، « نبيّ » بضم النون وفتح الباء وتشديد الياء وهو تصغير النبأ بمعنى الخبر ، وفيه أيضا قلب الهمزة وإدغامها في الياء التي قبلها وهي ياء التصغير . الإعراب : ما : نافية . وحديثي : اسمها ، والباء زائدة ومدخولها خبرها . وكم : خبرية مبتدأ والمميز محذوف . وجملة سرت في محل رفع على أنها خبر لكم . وقوله فأسرت : معطوف على سرت ، وفاعل القولين عائد إلى أرواح الصبا . ولنبي : متعلق بأسرت . ومن نبي : كذلك ، وينبغي أن تكون من زائدة على مذهب الأخفش الذي يرى زيادتها في الإثبات . المعنى : ما حديثي وقصتي في تعبير أرواح الصبا عن سرّ الحبيب مبتدع جديد ولا اخترعته أو حدث لي بالخصوص ، بل ذلك أمر معتاد قد سبق قبل للأنبياء ، فكثيرا ما أوجب روائح الصبا الأنباء للأنبياء ، وتصغير النبأ في آخر البيت للتعظيم ، قلت وفي هذا البيت إشارة إلى لطيفة وهي ما ذكره الإمام الواحدي رحمه اللّه تعالى في تفسير الوسيط من أن ريح الصّبا هي التي أوصلت رائحة يوسف إلى يعقوب حيث قال : إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ [ يوسف : الآية 94 ] ، وذلك بإذن ربّها ، قال : ولذلك ترى العشّاق يستريحون إليها ويذكرونها في أشعارهم