الشيخ عبد الغني النابلسي

66

مفتاح المعية في دستور الطريقة النقشبندية

( وطريق هذه السلسلة ) المذكورة أن ( تذكر الكلمة الطيبة ) بلسانك مقدار ما تسمع نفسك ، ( أعني ) - أي أقصد - بالكلمة الطيبة كلمة ( لا إله إلا اللّه ) ، ويأتي بيان معناها إن شاء اللّه تعالى ، ( محمد رسول اللّه بحبس ) أي بمسك ( النفس ) بفتح الفاء ، وهو الهواء الخارج من الجوف والداخل فيه . وحكمة هذه الكيفية سرعة إظهار الحق قبل الموت إذ لو تنفس ربما مات أو عجز عن تكملة الكلمة الطيبة فيكون وقوفه على النفي فيظهر منه كفر التعطيل « 1 » ، وهو يريد إظهار كمال التوحيد والإثبات ، ولأن الإنسان متكرر متجدد كله بالأمثال ، بل جملة العالم كذلك كما قال تعالى : ( وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) « 2 » ، والعالم كله قائم بأمر اللّه تعالى فهو كلمح بالبصر ، فيسرع في إخراج الذكر قبل التنفس بحسب الطاقة والقدرة حتى تكثر الأمثال المتكلمة بالتوحيد منه في وقت الإقبال عليه تعالى . وتراعي أنت يا أيها الذاكر في ذكرك ( العدد الوتري ) من الذكر كالسبعة والإحدى عشر ونحو ذلك ، فإن في ذلك محبة اللّه تعالى : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « اللّه وتر يحب الوتر » « 3 » ، ( فإذا جاوز ) أي زاد ( العدد ) على ( إحدى وعشرين ) مرة ( ولم يظهر ) أي لم يتبين ( للذكر ) في قلب الذاكر أو في ظاهره ( أثر ) مما سيأتي ، ( فهذا ) أي عدم ظهور شيء من ذلك ( دليل ) واضح على عدم قبوله ، أي قبول ذلك الذكر عند اللّه تعالى ، ( فليشرع ) أي يستأنف ذلك الذاكر مجتهدا ( في ابتداء الذكر ) كذلك من أصله لأن الأول ليس بذكر في الحقيقة لعدم قبوله .

--> ( 1 ) قد يستشكل بقوله رحمه اللّه : « إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى » ، والأظهر - واللّه تعالى أعلم - أن السالك إذا نفى الأهوية والأصنام المعنوية فالأولى أن يشتغل بالإثبات دون النفي على سبيل الورد وإلا فلا ينفك مسلم أبدا عن التهليل الذي هو الكلمة الطيبة في بعض أوقاته . ( 2 ) سورة القمر آية : 50 . ( 3 ) أخرجه الإمام أحمد ضياء الدين الكمشخانوي في ( راموز الأحاديث ص 90 / باموق ) عن ابن ماجة والطبراني والبيهقي عن الإمام ابن مسعود وكذا عن الترمذي وحسّنه .