الشيخ عبد الغني النابلسي
33
مفتاح المعية في دستور الطريقة النقشبندية
( العبودية ) من غير انفكاك عنها ، حتى لو انفك عنها في بعض الأحيان وغفل بسبب من الأسباب الدنيوية والأخروية ، فقد خرج في ذلك الوقت عن طريقتهم والتحق بجملة عامة المؤمنين الغافلين حتى يعود إليها فيدخل فيها . ( التي ) نعت للعبودية ، ( لا تتصور ) أبدا أي لا يمكن أن توجد في أحد من الناس مجردة ( بغير أداء ) العبادة أي الطاعة للّه تعالى قولا أو فعلا أو اعتقادا ؛ وذلك لأن العبد له ثلاثة أحوال : إما أن يكون في عبادة أو في معصية أو في إباحة ، فإن كان في عبادة أمكن أن تكون له العبودية معها وأن لا تكون ، وإن كان في معصية لا يمكن أن تكون له العبودية أبدا حتى يرجع عن تلك المعصية بالتوبة ، والتوبة عبادة فتكون له العبودية معها ، ومرادنا بأن يكون في معصية أن يكون مشتغلا بتلك المعصية بحيث يغفل عن إيمانه في ذلك الحال بأن تلك المعصية منهي عنها من جهة اللّه تعالى من غير جحود لكونها معصية ، وإلا فهو كافر باللّه تعالى . وأما إذا كان في معصية وهو مؤمن بأنها معصية نهى اللّه تعالى عنها غير غافل عن ذلك ولا جاحد له ، فإيمانه بأنها معصية نهى اللّه تعالى عنها عبادة له بالاعتقاد ، وإن كانت المعصية في الظاهر « 1 » ؛ فإن العبودية يمكن أن تكون له في ذلك الحال ، كما نقل عن الجنيد رضي اللّه عنه أنه لما قيل له : أيزني الولي ؟ قال : وكان أمر اللّه قدرا مقدورا . وإن كان ذلك العبد في إباحة ، فإن نوى بها الاستعانة على عبادة صار في عبادة وإلا فاتته العبودية لعدم وجود العبادة ، والحاصل أنه لا تكون العبودية إلا مع العبادة ، وقد تكون العبادة من غير عبودية كعبادة أهل الغفلة عن اللّه تعالى . ( وهي ) أي العبودية ، في اصطلاح السادة النقشبندية ( عبارة عن دوام ) أي ملازمة ( الحضور ) ، وهو عدم الغيبة والغفلة بالشهود والمراقبة ( مع اللّه سبحانه وتعالى ) بحيث يكون العبد موجودا باللّه تعالى متحركا به ، ساكنا به ، متكلما به ، صامتا به تعالى ،
--> ( 1 ) ( أ ) : في ظاهره .